الأسير المقدسي أيمن سدر.. رسول الضيف إلى الضفة

يعاني الأسرى المقدسيين في سجون الاحتلال من معايير صهيونية مزدوجة، فهم في الحقوق لا يختلفون عن نظرائهم أسرى الضفة الغربية وقطاع غزة، وعند صفقات التبادل يصر الاحتلال على استثنائهم ويرفض الإفراج عنهم، هذا بالإضافة إلى الإحكام المضاعفة والعقوبات الرادعة بحقهم.

ويحمل أسرى القدس صفة رمزية وسياسية على اعتبار أن الإصرار على تحريرهم يأتي في سياق التمسك بالمدينة المقدسة كعاصمة للدولة الفلسطينية والتي يحاول الاحتلال سلخها عن الضفة وتحويلها على جيب معزول.

الأسير أيمن سدر .. واحد من بين هؤلاء الأسرى المقدسيين الذين كان لهم السبق في رفع راية المقاومة في فلسطين، فكان أحد مجاهدي كتائب القسام الأوائل الذين عملوا بصمت منذ بداية تسعينيات القرن الماضي برفقة القائد محمد ضيف، فكان حلقة وصل بين قيادة الكتائب في قطاع غزة والضفة الغربية، وساهم بإخراج عدد من العمليات الاستشهادية إلى حيز التنفيذ.

الولادة والنشأة

ولد الأسير أيمن عبد المجيد عاشور سدر في بلدة أبو ديس قرب القدس يوم الحادي عشر من أيار/ مايو عام 1966 لعائلة فلسطينية مكونة من أربعة إخوة: (ماجد وامجد ومجدي واشرف) وخمس شقيقات، وما إن تفتحت عيون أيمن حتى احتل الصهاينة عام 1967 مدن الضفة الغريبة وعلى رأسها القدس الشرقية.

نشأ وتربى أيمن يتيما، حيث توفي والده يوم كان طفلا لم يكمل عامه الخامس، لتتكفل والدته الصابرة أم ماجد بتربية أبنائها العشرة وتنشئتهم على حب الوطن والتضحية من اجله، فكان احد أبنائها (امجد) مطلوبا لقوات الاحتلال وغادر إلى الأردن قبل 30 عاما ولا تزال القوات الصهيونية تمنعه من العودة.

تلقى أيمن تعليمه الأساسي والإعدادي في مدارس القدس، ثم أكمل بعد ذلك تعليمه الثانوي في المعهد العربي في أبو ديس، وقبل الثانوية بعام ترك أيمن مقاعد الدراسة وعمل سائقا على سيارته الخاصة.

وما إن اندلعت الانتفاضة الأولى عام 1987 حتى انخرط أيمن بفعالياتها، حيث كان يتقدم صوف المظاهرات التي كانت تخرج من ساحات المسجد الأقصى، وعرف ملثما ومتصديا للقوات الصهيونية بما يملكه من حجارة وزجاجات فارغة، كما شارك في إحراق متاجر وسيارات عملاء الاحتلال الذين كانوا ينشطون في القدس، ليعتقله الاحتلال في شباط من العام 1991 لمدة (6 شهور) بتهمة نشاطه في صفوف حركة حماس.

وبعد عام من الإفراج عنه، وبتاريخ الحادي والعشرين من أيلول/ سبتمبر عام 1992 تزوج أيمن من فتاة مقدسية من منطقة رأس العامود.

بداية المقاومة

في نهاية العام 1993 قرر أيمن الانتقال إلى فعليات ونشاطات اشد إيلاما للاحتلال، فعمل و(بقرار فردي) على تشكيل خلية عسكرية مكونة من خمسة شبان من منطقة القدس والخليل ونابلس، وقد خططت هذه المجموعة تنفيذ عملية خطف لجندي صهيوني بهدف مبادلته بأسرى فلسطينيين وعلى رأسهم الشيخ احمد ياسين.

لم تكن الخلية في ذلك الوقت مرتبطة بأي خط رسمي مع قيادة الحركة من اجل الحصول على التمويل والسلاح اللازمين، ولتعويض ذلك قام احد أفراد المجوعة بالتبرع بـ(تحويشة) عمره التي كان يجمعها بغرض زواجه، فاشترت الخلية سيارة ومسدسا و3 قبعات يهودية من اجل تنفيذ المهمة، كما تكفل احد أفراد المجموعة الذي كان يعمل في مستشفى المقاصد بإحضار مادة مخدرة لتنفيذ عملية الخطف، بعد ذلك خرجت الخلية عدة مرات لتنفيذ مهمتها إلا أنها لم تنجح في كل مرة لوجود عدد من العقبات حالت دون التنفيذ.

على اثر هذه المحاولات، علمت قيادة القسام بوجود هذه الخلية، فقام المطارد القسامي حسن تيسير النتشة (استشهد خلال عملية الاقتحام الفاشلة لتحرير الجندي المختطف نحشون فاكسمان) بالتواصل مع أيمن، وطلب منه الحضور إلى مدينة أريحا من اجل مقابلته ووضع الترتيبات اللازمة لربطه بقيادة الكتائب وانتظار التعليمات التالية.

في صفوف الكتائب

بعد هذا اللقاء وخلال تشرين أول عام 1994، توجه أيمن برفقة احد المجاهدين إلى قطاع غزة، وهناك كان بانتظاره القائد محمد ضيف الذي طلب منه البحث عن أماكن مكتظة بالصهاينة تكون هدفا مناسبا لتنفيذ عملية استشهادية ثأرا لمجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل.

بعد أسبوع من هذا اللقاء، عاد أيمن مرة أخرى إلى غزة وهناك التقى بالضيف مجدداً، واخبره بان شارع يافا في القدس هو المكان المناسب لتنفيذ العملية، عندها اطلع الضيف أيمن على بقية التفاصيل وعرفه على المنفذَين وهما الاستشهاديان عصام جوهري وحسن عباس الذي قدم من مصر للجهاد والاستشهادي في فلسطين (كما اخبر قيادة الكتائب)،وأوضح الضيف أن العملية ستنفذ من خلال إطلاق النار وإلقاء القنابل اليدوية على الصهاينة.

بعد انتهاء اللقاء نقل أيمن الاستشهاديين من غزة إلى بيته في أبو ديس،وفي صبيحة اليوم التالي توجه أيمن وبناء على تعليمات الضيف إلى شارع البيرة في القدس، حيث التقى هناك بأحد المجاهدين الذي قام بتسليمه كيسا يحتوي على بندقيتي كلاشنكوف و6 قنابل يدوية ومخازن للذخيرة وكمية كبيرة من الطلقات، وهي الأسلحة التي ستستخدم في الهجوم.

ساعات قبل الانفجار

في ساعات ظهر نفس اليوم وقبل موعد العملية بيوم واحد، أوصل أيمن الاستشهادي عصام الجوهري إلى المكان المحدد لتنفيذ العملية، حيث قام بالتجوال في شارع يافا والتعرف على مداخله ومخارجه، ثم عاد أيمن إلى منزله برفقة الاستشهاديان حيث قضايا ليلتهم الأخيرة بانتظار ساعة الصفر.

في ساعات مساء يوم 9/10/1994 نقل أيمن الاستشهاديان إلى شارع يافا، ثم قام بتوديعهما والطلب منهما الشفاعة يوم القيامة وإبلاغ رسول الله السلام، بعد ذلك ترجل الاستشهاديان من السيارة ثم وصلا إلى منطقة تسمى (نحلات شبعاه) وهو مكان مكتظ برواد المطاعم والمقاهي من ضباط وكوادر جهاز المخابرات العامة (الشاباك)، حيث يقع المركز الرئيس للجهاز على بعد مائتي متر فقط من تلك المطاعم.

وبعد الاتكال على الله وتفقد أسلحتهم شرع الاستشهاديان بإطلاق النار على كوادر ومجرمي الشاباك حيث كانا يفرغان مخازن الذخيرة ويستبدلانها الواحد تلو الآخر، كما ألقيا أربع قنابل يدوية على الأقل، ثم سادت حالة من الذعر والهلع بين رواد المطاعم الذين تصرفوا بصورة هستيرية فكانوا يهربون بكافة الاتجاهات ويدوسون على بعضهم البعض.

واصل الاستشهاديان إطلاق النار والقنابل لأكثر من ربع ساعة واستمرا في الاشتباك مع جنود الاحتلال الذين قدموا للمنطقة، حتى لقيا ربهما بعد أن أوقعوا قتيلان من الصهاينة بالإضافة إلى عشرات الإصابات ودمار هائل في الممتلكات.

الضربة الثانية

بعد شهرين من العملية وضمن الخطة القسامية الخماسية الثأرية لدماء شهداء الحرم الإبراهيمي، وصل أيمن إلى قطاع غزة مجددا وهناك التقى بالضيف وابلغه عن مكان آخر لتنفيذ عملية استشهادية في محطة الباصات في القدس بالقرب من ما يسمى "مباني الأمة"،وافق الضيف على الفكرة وطلب من أيمن العودة بعد أسبوع لاستلام الاستشهادي.

بعد انقضاء المدة المحددة عاد أيمن إلى الضيف الذي عرفه على المجاهد حاتم إسماعيل والاستشهادي أيمن كامل راضي، ثم اخبر الضيف أيمن بان عليه الوصول إلى قرية قيبة قضاء رام الله لاستلام الحقيبة الناسفة المعدة للعملية،

خرج أيمن بصحبة إسماعيل والاستشهادي من غزة إلى رام الله، ومن هناك استلم من احد المجاهدين الحقيبة الناسفة، ثم بعد ذلك توجه الثلاثة إلى منزل أيمن، وهناك قام حاتم بإضافة مسامير على الحقيبة والتأكد من كبسة التفجير.

في صبيحة اليوم التالي خرج الثلاثة إلى محطة الباصات المركزية في القدس وهناك ارشد أيمن الاستشهادي على مكان وطريقة التنفيذ، ثم بعد ذلك عاد حاتم إلى غزة بعد أن اخبر أيمن بان عليه الانتظار حتى يتم تبليغه من خلال الهاتف بالموافقة على التنفيذ.

بعدها بيومين وبتاريخ 25/12/1994 وعلى اثر استلام إشارة التنفيذ، خرج أيمن بسيارته إلى مكان قريب من العملية وانزل الاستشهادي الذي كان يردي ملابس الصهاينة المتدينين على مقربة من محطة الحافلات، وعند وصوله إلى إحداها في تمام الساعة السادسة صباحاً حاول الاستشهادي الصعود إلى الحافلة، غير أن كثرة الأعداد التي كانت في الطابور حالت دون ذلك، حيث قام السائق بإغلاق الأبواب بعد صعود العشرات من الضباط والجنود الصهاينة، عندها لحق المجاهد بالحافلة، وفجر نفسه مخلفا ثلاثة عشر جريحا صهيونيا يخدمون في سلاح الطيران وأنظمة الدفاع الجوي.

جاءت هذه العملية بعد أيام من عملية الاستشهادي صالح صوي وهو ما شكل ضربة موجعة للأجهزة الأمنية الصهيونية التي كانت مستنفرة وعلى أهبة الاستعداد خاصة بعد التهديد التي أطلقتها كتائب القسام بالثأر لدماء المصلين التي سالت في الحرم الإبراهيمي عبر خمس عمليات استشهادية.

تجنيد مزيد من المجاهدين

بعد نجاح العملية الثانية سافر أيمن من جديد إلى غزة، وهناك طلب الضيف منه إحضار شابين مقدسيين بعد تجنيدهما لصفوف الكتائب إلى غزة بغرض تدريبهم وإعدادهم للعمل الجهادي،بعد ذلك عاد أيمن إلى القدس وهناك توجه إلى المجاهدَين موسى علامة ونضال أبو ارميله وعرض عليهما الفكرة فوافقا دون ترد.

بعد أسبوع من ذلك وخلال شهر شباط من العام 1995 استقل أيمن سيارته برفقة علامة وأبو ارميلة وتوجهوا إلى غزة، وهناك كان بانتظارهما الضيف الذي أوضح لهم طبيعة عمل الكتائب وحدد لهم النشاطات المطلوبة منهم وخاصة فيما يتعلق بالتخطيط لعملية خطف جندي صهيوني لمبادلته بأسرى فلسطينيين، كما تلقوا دورة تدريبية مكثفة على كيفية استخدام السلاح بأنواعه المختلفة.

بعد ذلك طلب الضيف من أيمن إعداد مكان سري في سيارته لتهريب السلاح من غزة إلى الضفة، وهو ما فعلوه فور وصولهم إلى القدس حيث قاموا بعمل فتحة في هيكل السيارة أسفل كرسي السائق، ثم اتصل أيمن بالضيف واخبره بتجهيز السيارة، واتفقوا على اللقاء بعد أيام في غزة.

على حاجز ايرز

في الموعد المحدد انطلق أيمن بسيارته برفقة أبو ارميلة، وفور وصولهما حاجز ابرز الصهيوني المقاوم على مشارف القطاع، رفض الجنود السماح لهم بالدخول مع السيارة، عندها اضطر الاثنان الرجوع إلى القدس، وبعد عدة أيام سافر أيمن بدون سيارته إلى القطاع وهناك التقى بالضيف وابلغه بعدم السماح له بإدخال السيارة.

بموازاة ذلك، بدأ أيمن وأعضاء المجموعة بوضع الخطوط العريضة لعملية الخطف، حيث قاموا بالبحث عن سيارة مستأجرة والسؤال عن أثمان الأجهزة النقالة، ثم طلب أيمن من أبو ارميلة البحث عن أماكن مناسبة لتنفيذ عملية الخطف خاصة في المدن الصهيونية الكبرى كحيفا وتل أبيب.

قبل عيد الأضحى بيومين وبتاريخ 10/5/1995 حاول أيمن مرة أخرى دخول القطاع، فانطلق بسيارته برفقة بعض الموظفين الغزاويين الذين كانوا يعملون في القدس، إلا أن الجنود الصهاينة على حاجز ايرز لم يسمحوا لهم بذلك، فعادوا أدراجهم إلى القدس.

الاعتقال

في صبيحة اليوم التالي ويوم وقفة عرفة، نجح أيمن بالدخول إلى قطاع غزة عبر حاجز ايرز، وهناك التقى بالضيف الذي أعطاه مبلغا من المال لتمويل عملية الخطف وهاتفا نقالا، وفي اليوم الذي بعده وبتاريخ 13/5/1995 (ثاني أيام عيد الأضحى) قام أيمن بإخفاء المال والهاتف في المكان السري في السيارة ثم انطلق عائدا إلى القدس، ولكن وفور وصوله حاجز ايرز قام الجنود باعتقاله ومصادرة الأموال والهاتف الذي كان بحوزته.

التحقيق.. تعذيب وشبح

تعرض أيمن منذ اللحظة الأولى لاعتقاله لتحقيق استمر أكثر من (5 شهور)في مركز تحقيق المسكوبية، حيث كان المحققون الصهاينة يتعاملون معه على انه يملك معلومات محددة عن عمليات استشهادية قادمة، وعن هذه المرحلة من اعتقاله،تشير الزوجة أم محمد إلى أن المحققين استعملوا مع أيمن أساليب تعذيب عديدة منها أسلوب "الهز" الذي كان شائعا في تلك الفترة و"الشبح" و"التبريد والتسخين من خلال المكيفات"، حيث كان يخرج من جولات التحقيق إلى المحكمة وهو غير واع وفقد كثيرا من وزنه.

وتضيف: "بقينا ثلاثة أيام ونحن لا نملك أي معلومة عن أيمن، وفي رابع أيام العيد اقتحمت القوات الصهيونية منزلنا في غيابي ودمرت محتوياته، حتى المصاحف مزقوها، ثم صادروا عددا من الصور لأيمن ووثائق وأوراق شخصية".

وتتابع: "كانت لحظات الاعتقال والتحقيق أصعب أيام في حياتي، فقد اعتقل أيمن بعد عامين من زواجي وكان عمر ابني محمد 4 شهور فقط (عمره اليوم 17 عاما)، وبعد 5 أشهر من وجود أيمن في الزنازين اتصل علي واخبرني أن احضر إلى المسكوبة لزيارته برفقة محمد".

الحكم والتهم

بعد عدة أشهر من اعتقاله، أصدرت المحكمة الصهيونية حكما بسجن أيمن سدر لمدة مؤبد إضافة لثلاثين عاما بتهمة مشاركته في عمليتي القدس، بالإضافة إلى دوره في تجنيد شبان آخرين في صفوف كتائب القسام والاتصال مع الشهيد يحيى عياش والقائد محمد ضيف ونقل أموال من غزة إلى الضفة، كما أصدرت سلطات الاحتلال قرارا بإغلاق منزل الأسير سدر.

محطات العذاب والاعتقال أثرت على وضع أيمن الصحي، حيث  يعاني اليوم من أوجاع شديدة في العظام كما عانى ولسنوات طويلة من الحصوة والجيوب الأنفية، وبعد إهمال متعمد ومعاناة طويلة أجريت له 3 عمليات لإزالة الحصوة وأخرى للجيوب وهو بحاجة لرعاية وعلاج مستمر.

التحدي والنجاح

ورغم محطات الحزن والألم في حياتها إلا أن أم محمد أصرت على مواصلة حياتها، فبعد تشجيع أيمن لها من داخل سجنه قررت العودة للدراسة،فحصلت على شهادة الثانوية العامة بنجاح وتابعت تعليمها الجامعي فحصلت على درجة البكالويس في الشريعة الإسلامية من جامعة القدس ودبلوم التربية من جامعة بيت لحم، وتعكف أم محمد حالياً على نيل درجة الماجستير باللغة العربية، إضافة لعملها مدرسة للتربية الإسلامية.

وكان الأسير أيمن قد بعث برسالة إلى زوجته من داخل سجن نفحة قال فيها: "أشكر المولى عز وجل أن رزقني بزوجة صالحة صابرة كانت وما زالت الشريكة والزوجة والصاحبة خلال كل هذه السنوات من الأسر، حيث كانت دائما الرافعة للمعنويات والداعمة لي في كل المواقف والأوقات والمناسبات سواء قبل الأسر أو خلاله".


عاجل

  • {{ n.title }}