المقاومة الشعبية بين مشروع حماس ومشروع السلطة

لطالما زعم محمود عباس أن مشروعه هو المقاومة الشعبية السلمية، ولطالما ظن الناس أن حماس استغنت بمقاومتها المسلحة عن المقاومة الشعبية.

لكننا نرى تطور المقاومة الشعبية في قطاع غزة، بشكل سبق المقاومة الشعبية في الضفة الغربية بمراحل، فما السبب؟ وما أهمية المقاومة الشعبية؟

خاضت حماس ثلاثة حروب مع جيش الاحتلال، وبنت منظومة للتنسيق بين فصائل المقاومة المسلحة في قطاع غزة، وفتحت المجال لكافة الفصائل لتنشئ أجنحة مسلحة، من أجل مقاومة الاحتلال الصهيوني.

لكن فجوة السلاح والعدة مع قوات الاحتلال بقيت كبيرة، وبسبب الكلفة العالية للحروب، بات ضروريًا التفكير بوسائل مقاومة جديدة حتى تبقى غزة جزءًا لا يتجزأ من مقاومة الشعب الفلسطيني.

لذا فتحت حماس المجال للمتظاهرين من أجل الوصول للمناطق الحدودية مع انطلاق انتفاضة القدس، فالحركة لا تستطيع السكوت أمام الاحتلال وفي نفس الوقت قطاع غزة لا يحتمل حروبًا جديدًا.

كما أن المقاومة الشعبية المتعثرة في الضفة بحاجة لدعم معنوي وإعلامي، وهذا ما تقدمه المظاهرات في المناطق الحدودية.

وتجددت موجة المواجهات الحدودية في قطاع غزة مع خطاب ترمب، وجاءت فكرة مسيرات العودة الكبرى كشكل من أشكال المقاومة السلمية ردًا على خطاب ترمب ومحاولة تصفية القضية الفلسطينية من خلال تشديد الحصار على قطاع غزة.

واستطاع المتظاهرون تطوير أساليبهم في المقاومة، وزرعوا الأعلام الملغومة واجتازوا الحدود ودمروا تجهيزات الاحتلال، ابتداءً من السياج الفاصل والبوابات وليس انتهاءً بمعدات الحفر في المناطق الحدودية.

حماس تدرك أهمية المقاومة الشعبية، فقوتها المسلحة لا تكفي لحسم الصراع مع الاحتلال، ولو راهنت على قوتها المسلحة وحدها لاستطاع الاحتلال اجتياح قطاع غزة وتدمير مشروع المقاومة.

لكن الحركة راهنت على عمقها الجماهيري، وكانت المقاومة الشعبية أحد وسائل تعزيز هذا العمق الجماهيري.

هكذا تستفيد الحركة من المقاومة الشعبية في عدة اتجاهات:

أولًا: فتح جبهات تستنزف الاحتلال دون الاضطرار لدخول حرب جديدة.

ثانيًا: توفر المقاومة الشعبية البديل الجاهز، فيما لو استطاع الاحتلال القضاء على قوة حماس العسكرية، وهذا احتمال قائم رغم أن كلفته على الاحتلال عالية.

ثالثًا: تنمية الحضانة الشعبية التي تحمي مشروع المقاومة في وجه الحصار والمؤامرات المختلفة.

في المقابل نجد أن المقاومة الشعبية في الضفة الغربية تعاني ضعف التفاعل الجماهيري معها، رغم مزاعم محمود عباس أنه لا يؤمن إلا بها.

وذلك للأسباب الآتية:

1- عباس يؤمن بالمقاومة الشعبية المدجنة، أي التي لا تستفز الاحتلال ولا تدخل في مواجهة معه، حتى لو كان من خلال الحجر والزجاجات الحارقة، مقاومة أكبر صحن تبولة ومقاومة مسيرات الشموع، وهذه المقاومة لا يؤمن بها أغلب الناس (وهم محقون في ذلك).

2- لا توجد استراتيجية مقاومة لدى السلطة، بل نجد تخبطًا يصيب الناس بالإحباط، فساعة تمنع الناس من التوجه لنقاط التماس بحجة أن ذلك مهلكة، وعندما يتزايد الغضب الشعبي تسمح للمواجهات من أجل تنفيس الغضب وليس ضمن خطة لتصعيد المقاومة.

3- عملت السلطة على زراعة ثقافة اليأس وعدم الجدوى بين الناس في الضفة الغربية، وأصابت هذه العدوى أبناء الفصائل والتنظيمات، الذين يفترض فيهم قيادة المجتمع في العمل المقاوم.

4- عملت السلطة على تفكيك البنية التنظيمية لحركة حماس والجهاد، مما تركها عاجزة عن العمل الجماهيري بشكل فعال، بينما حافظت حماس على الهياكل التنظيمية لجميع الفصائل في غزة بما فيه حركة فتح.

وهذا ترك ساحة الضفة الغربية بدون فصائل منظمة قادرة على قيادة الشارع، فحركة فتح مترهلة وبلا بوصلة، وحماس والجهاد بدون هيكل تنظيم قوي قادر على الحشد الجماهيري.

في الختام:

أراد عباس استخدام المقاومة الشعبية شماعة لمحاربة المقاومة المسلحة، أما حركة حماس فرأت فيها طريقة لتعزيز المقاومة المسلحة ورفدها بأشكال نضالية متجددة.

لهذا رعت حماس المقاومة الشعبية وعززتها، بينما ساهمت سياسات السلطة الأمنية في تدمير البيئة الحاضنة للمقاومة الشعبية، مما جعل ساحة العمل في الضفة الغربية مليئة بالصعوبات والعقوبات.

ورغم ذلك تحاول حماس والجهاد والجبهة الشعبية والمجموعات الشبابية إعادة الاعتبار للمقاومة الشعبية (والمسلحة) في الضفة الغربية، رغم كل الظروف المضادة، لأنه لا خيار أمام الشعب الفلسطيني إلا فتح جبهات جديدة ضد الاحتلال.

 


عاجل

  • {{ n.title }}