مسيرة العودة الكبرى .. هل تفقد إسرائيل السيطرة؟

يبدو أن مسيرة العودة الكبرى لم تمضِ وفق ما خططت له إسرائيل وحكومتها، إذ شكل هذا الحدث الضخم على الساحة السياسية الفلسطينية مصدر رعب وخوف بالنسبة لأمن الاحتلال، ظهرت ملامحه في وسائل إعلامه، وهروب المئات من مستوطني غلاف غزة من مساكنهم.


وقد شهدت حالة ما قبل انطلاق المسيرة تخبطاً إسرائيلياً ملحوظا، خاصة في محاولات الاحتلال الحثيثة لوقف هذه المسيرة بكافة الوسائل، منعا لمسيرة كبرى تخرج عن السيطرة، يؤسس لها يوم 15 من مايو المقبل.


ويجمع مختصون في الشأن السياسي على أن المسيرة حققت نجاحاً واضحاً، وأسهمت في لفت أنظار العالم مجدداً تجاه القضية الفلسطينية بشكل عام، وقضية اللاجئين الفلسطينيين بشكل خاص، كما لفتت الأنظار إلى حصار غزة المسكوت عنه منذ 12 عام.


تغيير في استراتيجية المقاومة


الكاتب والمحاضر الجامعي الفلسطيني مصطفى الشنار يرى بأن مسيرة العودة الكبرى التي دعت إليها الفصائل لها مميزاتها التي تجعلها تختلف عن كل نشاط سلمي سابق، يتمثل ذلك في أنها تنطلق من غزة التي عرفت بالمقاومة ذات الطابع العسكري، معتبرا ذلك تغييرا مهما في استراتيجيات المقاومة في قطاع غزة.


واعتبر الشنار أن أهم عوامل نجاح هذا الشكل من المقاومة حاليا هو حالة الرعب والحرج التي وقعت فيها إسرائيل من ناحية أخلاقية، متمثلة في رد قوات الاحتلال على المسيرة السلمية وقتل العديد من الشهداء، بالإضافة لطبيعة وحجم المقاومة الشعبية التي لم تعتد عليها قوات الاحتلال من قبل، مما يجعل مسيرة العودة الكبرى تخلق مشكلة سياسية على مستوى المجتمع الدولي.


 ولفت الشنار إلى أن هناك ضغوطات عربية ودولية تُمارس لمحاصرة هذا الشكل من أشكال المقاومة الشعبية، ومنع انتقالها للضفة رغم الشعارات الإعلامية الرنانة لقيادة السلطة التي تنادي بالمقاومة الشعبية، التي تفصل على مقاس صانع القرار في الضفة.


وأضاف الشنار أنه وعلى الرغم من التحركات الشعبية الفردية، فإن حالة القمع الأمني طيلة السنوات الأخيرة من قبل السلطة والاحتلال؛ أوصلت أصحاب المصالح من قيادات الفصائل إلى حالة من الخنوع تمثل في فقدان الحاضنة الشعبية في الضفة، معللا بأن وجود التجويف الأمني في الضفة واستنزاف المقاومة عبر التنسيق الأمني كان أحد أسباب عدم الخروج في مسيرات تشابه قطاع غزة.

خشية من الجماهير الشعبية


بدوره، أوضح الكاتب والمحلل السياسي ساري عرابي أن ما تخشاه إسرائيل هو أن تسترد الجماهير الشعبية دورها في مواجهة الاحتلال حتى لو كانت سلمية، لافتا إلى أن الاحتلال سعى على مدى السنوات الماضية لإخضاع الفلسطينيين بظروف الاقتصاد في الضفة، وبسياسة البطش والإرهاب في غزة ظانا أنه قد يسيطر عليهم بذلك.


وأضاف عرابي أن قوات الاحتلال تخشى أيضا أن تؤدي مسيرة العودة إلى أشكال نضالية مختلفة تغير المعادلة في فلسطين المحتلة، على غرار ما حدث في الانتفاضة الأولى التي مثلت أفضل أشكال الانتفاضة لولا الاستثمار السيء لقيادة السلطة بتوقيعها اتفاق أوسلو، إضافة لخشيتها الواضحة من استمرار الحالة الثورية والامتداد لمناطق جغرافية أخرى إذا ما توفر عاملان هما: طول النفس، والإدارة الجيدة لهذه المسيرات.


ورأى عرابي في حديثه حول الأسباب التي تمنع انتقال الحالة الثورية من غزة إلى الضفة، تتلخص في السياسات الحاكمة واختلاف الظروف الموضوعية بين غزة والضفة، إذ أن شعار المقاومة الشعبية التي ترفعه السلطة وتوافق عليه هي المقاومة الشعبية ذات الطابع الخطابي الفلكلوري، والمحدود في نقاط محددة لا تضر بأمن إسرائيل، معللا ذلك برفض السلطة لحياة وطنية سليمة وخشيتها أن تفلت الأمور من بين يديها فتستعيد فصائل المقاومة في الضفة قوتها وتنافسها في القرار الفلسطيني الذي تفردت به فتح على مدى السنوات العشر الأخيرة.


وتابع "لقد استخدمت إسرائيل سياسات في الضفة تختلف عن تلك التي استخدمتها في غزة لأهمية الضفة بالنسبة لها، ففي الوقت الذي تتمنى فيه إسرائيل لغزة أن يبتلعها البحر، فإنها تنظر للضفة نظرة عقائدية كونها أرض يهودا والسامرة التي لا يمكن الاستغناء عنها، كما أنه لابد من التذكير أن انسحاب قوات الاحتلال من غزة عام 2005  قابله إعادة انتشار لها في الضفة عام 2002 في عملية السور الواقي، مورست بعدها ضد الضفة سياسات اقتصادية وثقافية وسياسية، هندست من خلالها إسرائيل المجتمع الفلسطيني كما تريد، فلم تعد الجماهير تثق بالنخب السياسية الحاكمة، مما أفقد هذه النخب الحاضنة الشعبية لها ".


وأشار عرابي إلى أن الضفة بحاجة أن تسترد عافيتها لتتخلص من السياسات الممنهجة التي جردتها من الحالة الوطنية، موضحا أنه بتحرك شعبي لحركة فتح كفصيل وحيد متعافي في الضفة الغربية؛ قد يفتح المجال أمام الفصائل وتبدأ في استرداد عافيتها ومقاومة الاحتلال.



عاجل

  • {{ n.title }}