الأسرى ودورهم في العمل الوطني الفلسطيني

بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة قبل خمسين عامًا، كان أمام الفلسطينيين أحد خيارين:

التسليم بالأمر الواقع وانتظار من يحرر فلسطين من الخارج،

أو محاربة الاحتلال بالإمكانيات القليلة المتوفرة وما يترتب على ذلك من أثمان باهظة.

لم يؤمن الفلسطينيون بجدوى انتظار التحرير من الخارج، خاصة بعد ثبات فشل هذا الخيار، وما حرب عام 1967م إلا نتيجة مباشرة لركونهم إلى الأنظمة العربية، فكان الانخراط في مقاومة الاحتلال منذ وقت مبكر بعد النكسة، وترسخت هذه القناعة بعد الانتفاضة الأولى.

وكان الثمن الذي دفعه جميع المقاومين تقريبًا هو الأسر ودخول سجون الاحتلال، ورغم الأحكام والظروف القاسية، ألا أنها لم تردع الشباب الفلسطيني عن مواصلة المقاومة، فالمهم كان طوال الوقت استمرار عجلة المقاومة مهما كان الثمن.

وبسبب عدم وجود مناطق آمنة يلتجئ إليها قادة المقاومة خلال هذه السنوات الطويلة، فقد قضى أغلبهم فترات طويلة في سجون الاحتلال، وبالتالي كان من الطبيعي أن يكون للأسرى في سجون الاحتلال أدوارًا تكمل دورهم النضالي الذي مارسوه خارج السجن.

كانت السجون محاضن تربوية لتعبئة وتوعية الأسرى الجدد وصغار السن، وصقل تجربتهم ورفدها بالخبرات السياسية والعمل الجماهيري وأساليب المقاومة والثقافة لأمنية، كما كان للأسرى دورهم في اتخاذ القرارات التنظيمية، حيث نجد ذلك واضحًا لدى حركة حماس حيث يعتبر قطاع الأسرى أحد القطاعات الأساسية التي يؤخذ برأيها في القرارات المصيرية (مثل قرار المشاركة بانتخابات التشريعي)، إلى جانب الحركة في غزة والضفة والخارج.

إلا أن انخراط حركة فتح في أوسلو ومنظومة التنسيق الأمني، أوجد إرباكًا في دور أسرى حركة فتح، خاصةً وأن قيادة الحركة أصبحت بعيدة عن المعترك النضالي وعن سجون الاحتلال، باستثناء بعض القادة الذين انخرطوا في انتفاضة الأقصى مثل مروان البرغوثي.

وهذا أدى لانفصال سياسة فتح الرسمية (المندمجة في السلطة) عن واقع أسرى حركة فتح، الذين انخرطوا في مقاومة الاحتلال في مبادرات فردية وبما يخالف التوجه الرسمي لحركتهم، وبالتالي كان من الطبيعي تهميش دورهم في اتخاذ القرارات، إلا أن حركتهم تتمسك بهم لأنهم هم من يمنحونها الشرعية الجماهيرية التي لا تستطيع الاستغناء عنها رغم امتلاكها أجهزة السلطة وتحكمها التام بها.

إن الأسرى ليسوا مجرد أشخاص يعانون من ظلم الاحتلال وبطشه، بل هم جزء لا يتجزأ من دورة المقاومة، وخصوصًا في الضفة الغربية حيث ما زال الاحتلال يتحكم فعليًا بالميدان، ويشن حملات اعتقال يومية في صفوف نشطاء المقاومة الشعبية وأبناء التنظيمات المقاومة مثل حماس والشعبية والجهاد.

المطلوب هو الحفاظ على دور الأسرى النضالي في مقاومة الاحتلال، خصوصًا في ظل الهجمة المزدوجة التي تشنها السلطة والاحتلال لمحاربة روح المقاومة في الشعب الفلسطيني، ومن أجل الحفاظ على زخم العمل المقاوم وتناقل الخبرات النضالية بين الأجيال المقاومة.



عاجل

  • {{ n.title }}