غزة؛ قناديل عودتها وسفراء كرامتها

كان البطل (فادي أبو صلاح) من أوائل من افتتح جنود الاحتلال الصهيوني بدمه مجزرتهم الجبانة على حدود غزة يوم الاثنين (14-5-2018) خلال مشاركته في مسيرة العودة التي بدأت قبل شهر ونصف وبلغت ذروتها مع الذكرى السبعين لنكبة فلسطين.

الشهيد فادي كان مبتور القدمين، فقدهما خلال الحرب الصهيونية على غزة عام 2008، ومع ذلك ظل مع أبنائه الخمسة يداوم على حضور مسيرات العودة كل يوم، وكانت صورته وهو يحمل المقلاع ويرجم به تجمعات جنود الاحتلال على حدود غزة ناطقة بمعاني الإباء في أجلّ صورها.

ليس سهلاً أن يكتب المرء شيئاً ذا قيمة على هامش الدم والمجازر، فهي بحد ذاتها حدث قائم بمعانيه، واضح بدلالاته، غني بالدروس المباشرة، لكن حكاية فادي أبو صلاح، وقبلها حكاية الشهيد المقعد إبراهيم أبو ثريا الذي استشهد خلال الاحتجاجات التي أعقبت قرار ترمب بشأن القدس، هاتان الحكايتان تلخصان حال غزة مع أعدائها ومحاصريها والمتآمرين عليها من كل الأجناس والألوان.

غزة كيان محاصر ومحدود الإمكانات، لكنه يموج ثورة وإقداما، كحال فادي أبو صلاح الذي وقف في وجه محتليه وهو مشلول وأعزل إلا من مقلاعه، لكنه كان يوزّع كرامة وشهامة على ضفاف الخواء من حوله، ويلقّن المتفرجين دروساً في المبادرة، ويواجه الأصحّاء المتعللين بالأعذار بِصَلية ضمير حارقة.

غزة وهي تودع شهداءها كانت تبتعثهم سفراء للكرامة، وممثلين شرعيين لكل الفلسطينيين والأحرار، وكانت تحصّن بدمهم جدار إصرارها، ويتعزز إدراكها بأن المواجهة خيار المبصرين الأصحاء، مبصري الغايات الكبرى وأصحاء الروح والقلب

أما أعداؤه فجبنهم تبدى في مسارعتهم لقنصه، كما فعلوا مع الشهيد أبو ثريا من قبله، لأن هذه النماذج الضعيفة في جسدها، الجسورة في روحها تصفع غطرسة المحتل، وتعرّي منطقه وتسقط حجته كلها، وتلك الصور التي تناقلتها وسائل الإعلام لأجساد عاجزة تصرّ على مواجهة عدوها تقول الكلمة الفصل حول صاحب الحق، وتفرزه تلقائيا، ليبدو ممثل الباطل بكامل قبحه مقابله، مهترئاً ومهتزاً ومجللاً بالخزي والخسة، وموغلاً في سفك الدم، ومستنداً إلى فجور السلاح وحسب، ومنطق القوة الباغية.

أراد الاحتلال أن يكسر شوكة المتمردين على حصاره في غزة عبر فاتورة دم باهظة ومفجعة ومؤلمة، إذ من الطبيعي أن يأسى كل حر على ما جرى، وأن تُحدث المجازر في نفسه أثراً غائرا. لكن غزة وهي تودع شهداءها كانت تبتعثهم سفراء للكرامة، وممثلين شرعيين لكل الفلسطينيين والأحرار، وكانت تحصّن بدمهم جدار إصرارها، ويتعزز إدراكها بأن المواجهة خيار المبصرين الأصحاء، مبصري الغايات الكبرى وأصحاء الروح والقلب، وأن نقيضها، أي المهادنة والاستسلام هما خيار التائهين، والغارقين في حساباتهم السقيمة وجزعهم من ضريبة الحرية.

طرقت غزة بوابات حصارها بيد من إباء، وعلقت على سياجها قناديل عودتها، وكانت مع كل شهيد تبتعثه للسماء تنثر بعض عطره على الدروب التي غزاها السراب، وأهلك الجراد حرثها، فتراكم فيها العطر واستردت بعض خصبها القديم، ووصلتها رسالة ممهورة بنداءات الشهداء الراحلين: أننا لا نجزع للتضحيات، بل يرهقنا الخذلان، وتواطؤ القريب مع العدو على حصارنا، وتلهّف بعض بني جلدتنا ليوم فنائنا، وحلمهم بانكسار شوكتنا، لأنهم يجتهدون لنفي الكرامة من عروق أبناء الأمة، ووحدها غزة اليوم من تقبض على جمر تلك الكرامة، وتعيد إشعالها وتديم توهجها في كل القلوب الناظرة إليها، والمتعلمة منها دروس التمرد والثورة، واستصغار المستحيل.


عاجل

  • {{ n.title }}