هل ترفع مسيرة رام الله العقوبات عن غزة؟

بدايةً لا بد من التأكيد على أن الذي يحاصر غزة ويعاقبها هو دولة الاحتلال الصهيوني، والسلطة الفلسطينية عليها التزامات تجاه هذا الاحتلال، ومن بينها مشاركته في معاقبة الشعب الفلسطيني.

واتخذت السلطة أحداث الانقسام ذريعةً لعقوباتها، وحاولت أن تحرف الأنظار عن حقيقة ما يحصل، وتحويل الصراع إلى حزبي (فتح وحماس) أحيانًا، ومناطقي (غزة والضفة) أحيانًا أخرى.

لقد وصلت الفصائل والنخبة السياسية الفلسطينية إلى يقين بأن ما تقوم به السلطة، وتصدرها مشهد حصار وعقاب غزة، له آثار مدمرة على الشعب الفلسطيني كله وليس فقط على قطاع غزة أو حركة حماس وحدها.

ورغم الانتقادات المتزايدة للرزمة الأخيرة من العقوبات التي فرضها عباس، وأبرزها تقليص رواتب موظفي السلطة في غزة، إلا أنه قابلها باللامبالاة والإصرار على المضي قدمًا في معاقبة غزة.

في ظل هذه المعادلة جاءت الدعوة لمسيرة رام الله، والتي يبدو أنها مجرد البداية في سلسلة فعاليات شعبية وفصائلية للضغط على عباس لوقف عقوباته المفروضة على غزة.

فهل سيكتب لها النجاح؟ فالبعض يعتقد أن السلطة تسيطر على الوضع ودليله أنها سمحت للمسيرة بالخروج، وهذا استدلال ليس في مكانه.

السلطة اضطرت للسماح بالمسيرة، لأنه رغم استقوائها بالاحتلال والمال المسيس، إلا أنها لا تستطيع الاستمرار بدون حاضنة شعبية، وستسقط بدونها كما سقطت روابط القرى من قبل.

والجهات الداعية للمسيرة أكثرها محسوب على منظمة التحرير، وهي ورقة التوت التي تستر بها السلطة عورتها، والخيط الذي يمسكها من الانهيار الشعبي، فقمع السلطة للمسيرة كان سيكون له تداعيات أسوأ (بالنسبة لها) من السماح بخروجها.

وحاولت الأجهزة الأمنية استخدام أساليب بائسة للتشويش على المسيرة مثل لافتات تهاجم حماس، وادخال عناصر أمنية بهتافات مضادة، لكنها أضرت بصورة السلطة وفشلت في تخريب المسيرة.

باعتقادي يمكن لهذه المسيرة أن يكون لها دور هام في إسقاط العقوبات عن غزة، في حال استمرت، فالحراك الشعبي ضد قطع رواتب الأسرى العام الماضي كان أصغر بكثير من الحراك الحالي، لكنه نجح بوقف القرار وإعادة الرواتب.

السلطة ستجد نفسها مضطرة لرفع جزء من العقوبات، وخاصةً الرزمة الأخيرة منها، للأسباب الآتية:

أولًا: فشل العقوبات في اخضاع حماس والمقاومة الفلسطينية في غزة، فبات واضحًا أن حماس لن تسلم غزة بالطريقة التي يريدها عباس، حتى لو أدى ذلك لاندلاع حروب (وليس حربًا واحدة) مع الاحتلال.

ثانيًا: التفسخ الذي يهدد حركة فتح بسبب العقوبات، والتي طالت العديد من أبناء الحركة وكوادرها في غزة.

ثالثًا: الحراك الشعبي في الضفة، ونتكلم عن مسيرة لا يستهان بها، آخذين بعين الاعتبار أن المنظمين لم يسيروا الحافلات من مختلف مناطق الضفة (غالبية المشاركين من رام الله فقط)، وثقافة الخوف واليأس المنتشرة في الضفة.

وبالتوازي مع الحراك الشعبي هنالك رأي عام يتصاعد، والسلطة في أسوأ أحوالها شعبيًا وليست بحاجة لمزيد من التدهور.

ولهذا الحراك تداعيات إيجابية أخرى، إلى جانب رفع العقوبات، أهمها:

1- كشف الغطاء عن الاحتلال، فالسلطة تصدرت مشهد حصار غزة نيابة عن الاحتلال في السنوات الأخيرة، وهذا أراح الاحتلال بشكل كبير جدًا، والآن السلطة ستجد نفسها مرغمة على الانسحاب من هذا الموضع السيء.

2- إعادة الثقة لجماهير الضفة الغربية، وأنها قادرة على التأثير وانتزاع الحقوق.

3- إضعاف مشروع توريث محمود عباس، وهز ثقة القائمين عليه بأنفسهم.

المطلوب الآن هو مواصلة الحراك الشعبي في الضفة، وأن يتوسع أكثر فأكثر، فرغم الإنجازات لكن الطريق ما زال طويلًا.


عاجل

  • {{ n.title }}