سياسة الاحتلال في التعامل مع حماس بعد الانقسام

كتب الوزير الصهيوني السابق إفرايم سنيه مقالًا بعد الحسم العسكري لحماس في قطاع غزة قبل 11 عامًا، وضع فيه تصوره لطريقة التعامل مع حركة حماس والتصدي لها.

وأهمية المقال تنبع من أمرين:

الأول: شخصية الكاتب فقد عمل قائدًا للمنطقة المحتلة في جنوب لبنان، ثم رئيسًا للإدارة المدنية في الضفة الغربية (ما يسمى اليوم بالمنسق)، وكان وزيرًا خلال انتفاضة الأقصى، كما كان نائبًا لوزير الدفاع الصهيوني، وكان عضو كنيست حتى عام 2008م.

فنتكلم عن شخص عمل واحتك بالفلسطينيين في الانتفاضتين الأولى والثانية، وكان مشاركًا في التجارب المختلفة لقمع الشعب الفلسطيني، فهو صاحب خبرة كبيرة.

الثاني: ما طالب به في المقال رأيناه يطبق طوال الأعوام الماضية، رغم أنه كان خارج الحكومة وتقاعد من العمل السياسي بعد 2008م، لكن رأيه يتماثل مع رأي المؤسسة الأمنية والعسكرية الصهيونية والنخبة السياسية المتنفذة.

أكد سنيه في مقاله على ضرورة هزيمة حماس، ومنع انتقال سيطرتها إلى الضفة الغربية، وهذا منطقي فانتقال تجربة حماس من غزة إلى الضفة هي "كارثة كبرى" ستحل بالمشروع الصهيوني.

لتحقيق هذا الهدف وضع ثلاث خطوات:

1- إضعاف حماس دبلوماسيًا، وهذا لمسناه في مقاطعة حماس وحصارها عربيًا ودوليًا.

2- دعم وتقوية حكومة سلام فياض، ورأيناه بوضوح من خلال مشروع دايتون والفلسطيني الجديد.

3- خلق الظروف التي تؤدي للفشل التام لنظام حكم حماس في قطاع غزة، وهذا واضح في الحصار الخانق على غزة والعقوبات التصاعدية التي يفرضها الاحتلال والسلطة.

كما أكد سنيه في مقاله على أنه لا تكفي الاعتقالات والحملات العسكرية لهزيمة حماس، بل من الضروري أن تهزم حماس على يد قوة فلسطينية أخرى؛ أي حركة فتح كما حددها سنيه.

وأخيرًا أشار سنيه إلى أن حماس حركة عقائدية لا يمكن التفاهم معها، وهي تسعى لتدمير "إسرائيل"، وهذا رأي يتفق معه الغالبية الساحقة من الصهاينة (إن لم يكن جميعهم).

وهنا نفهم كيف دفع الاحتلال بالسلطة إلى واجهة الصدام والحرب ضد حماس، فقد أدرك قادة الكيان الصهيوني (مثل سنيه) أن أفضل وسيلة لهزيمة حماس ومشروع المقاومة يكون من خلال دفع السلطة وحركة فتح للقيام بهذه المهمة.

وبالتالي نفهم العقوبات التي يفرضها عباس على قطاع غزة أنها امتداد لهذه الخطوات والمحددات التي تكلم عنها سنيه في مقاله قبل 11 عامًا.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أخطاء وقع بها بعض قادة حماس وأصحاب الرأي المقربين منها:

أولًا: الاعتقاد بأنه من الممكن عقد صفقة هدنة تضمن الازدهار والتنمية الاقتصادية لقطاع غزة، وهذا يتناقض مع هدف الاحتلال في إفشال تجربة حماس كي لا تنتقل إلى الضفة.

ثانيًا: الاعتقاد بأن الصراع هو فقط مع السلطة وأن الاحتلال هو طرف محايد.

ثالثًا: اعتقاد بعض قادة حماس في الضفة أن الأفضل الانحناء أمام العاصفة، والانتظار حتى تتحسن الظروف، فما نراه في الضفة منذ 2005م (أي قبل الانتخابات) هو حملات متتالية من السلطة والاحتلال لاجتثاث حماس.

وهم يعملون على أساس أن لا تعود حماس إلى الضفة لا اليوم ولا المستقبل، وبالتالي انتظار انتهاء العاصفة سيطول للأبد.

بناءً على ما سبق فيجب على حماس أن تصحح تعاملها مع الواقع الذي يفرضه تحالف الاحتلال مع السلطة، وأن تدرك استحالة بعض الحلول مثل الهدنة الطويلة الأمد، أو السعي لصفقات لتحسين الوضع المعيشي في غزة.

في ظل ما سبق أرى أن أمام حماس خيار شبه وحيد؛ التصعيد المستمر، والبحث عن طرق وبدائل لتوسيع الصراع إلى الضفة والداخل المحتل، والتعاون مع قوى وفصائل المقاومة الفلسطينية من أجل تحقيق هذا الهدف.


عاجل

  • {{ n.title }}