دوافع وموانع الحرب على غزة

بات الحديث عن احتمالية نشوب حرب بين ” إسرائيل ” من جهة والمقاومة في قطاع غزة من جهة أخرى أكثر شيوعاً خلال الفترة الحالية، مما إستدعى الكثير من المحللين والسياسيين لـإبداء قراءاتهم وتحليلاتهم حول طبيعة الموقف وملامح المرحلة المقبلة، خاصة بعد إزدياد جولات المواجهة المحدودة وموجات الحرائق في غلاف غزة بفعل البالونات الحارقة، وتصاعد وتيرة التصريحات الإسرائيلية التي تحمل بين طياتها التهديد والوعيد للقطاع ومقاومته.

 حيث يرى فريق من المحللين بأن أسباب الحرب متوفرة الآن، وذلك لما تم إستنتاجه من خلال قراءتهم لمستويين، وهما:

 أولاً: المستوى الداخلي الإسرائيلي والذي يرى بأن إستمرار إطلاق البالونات الحارقة التي اربكت الكثير من الحسابات تمثل اليوم خطراً حقيقياً، أضف الى ذلك الضغط الإعلامي الذي تمارسه وسائل الإعلام الإسرائيلية على الحكومة بهدف الدفع نحو خوض حرب مع غزة ينهي معها ” كابوس غزة ” الجاثم على صدر ” إسرائيل”، كل ذلك يعتبر مؤشر على بداية حرب إستنزاف مرهقة لـ “إسرائيل” تستوجب إعلان الحرب، بالإضافة إلى القناعة الراسخة في عقل المؤسسة الإسرائيلية بأن حماس لن تعيد الجنود الأسرى لديها مقابل تخفيف الحصار وتقديم تسهيلات إنسانية لسكان القطاع، بل تبحث عن صفقة جديدة على غرار صفقة وفاء الأحرار، وهذا ما ترفضه ” إسرائيل ” حالياً، ولا يمكن تجاهل السجية الإسرائيلية المجبولة على الخداع بمعنى أنها تعلن على خلاف ما تبطن وتخطط.

ثانياً: المستوى الدولي الإقليمي، حيث يرى أصحاب هذا الرأي بأن الدعم الأمريكي المطلق والسعي العربي نحو التطبيع والحل الدائم مع ” إسرائيل ” من إرهاصات نشوب حرب جديدة، أضف الى ذلك إنشغال العالم بقضايا دولية أخرى مثل القضية السورية، والملف النووي الإيراني.

لكن في الجهة المقابلة تشير الأحداث والوقائع على الأرض بأن الحرب مع غزة بعيدة عنا نوعاً ما – في حال توقفت المواجهات المحدودة -، ولا سيما بأن جميع الأطراف لا تحبذ خيار الحرب في الوقت الحالي، على الرغم من إشتداد وطأة الحصار المفروض على قطاع غزة، بالإضافة الى مجموعة من المعطيات والأسباب التالية والتي بدورها تدعم رؤية إستبعاد الحرب في المرحلة الحالية، وهي على النحو التالي:

الخلاف المتعمق بين المؤسسة السياسية والعكسرية، الناجم عن حالة الإنفصام اللاواضح الذي يعاني منه النظام السياسي في ” إسرائيل ” بسبب سيطرة ثلة من المراهقين السياسين، أمثال نفتالي بينت وجلعاد أردان على ذاك النظام، وعلو المصالح الشخصية والحزبية على المصلحة العامة.

الإفلاس الذي تعاني منه المؤسسة العسكرية في المرحلة الحالية والمتمثل في عدم وجود ” بنك الأهداف” في حال حدوث أي حرب سوى الدوائر الحكومة والأحياء الشعبية، وإنتهاء سياسة ضرب أكبر عدد من الأهداف بأقصر وقت ممكن، ويعود ذلك الى الإستراتيجيات والقواعد التي تتبعها المقاومة في غزة، كما لوحظ – لا للحصر – في طريقة توزيع الراجمات والقاذفات على طول القطاع والإنضباط في عملية الإطلاق والقصف، بالإضافة الى التنسيق الميداني بدرجاته العليا، وغياب مسألة التبني لدى الفصائل.

التخوف الكامن لدى القيادة السياسية والعسكرية في ” إسرائيل ” من سيطرة جماعات أكثر تشدداً على قطاع غزة – على الرغم من أن هذا السيناريو بعيداً كل البعد عن الواقع – إلا أنه قد تمت مناقشته في حال سقوط حماس خلال أي حرب قد تنشب.

حساسية الساحة الشمالية و إستمرار شبح الإنتشار الإيراني على الحدود في سوريا، والتي تعتبر من  المسائل التي تتربع على سلم أولويات ” إسرائيل ” الاستراتيجية.

الأزمة الدولية التي تعاني منها ” إسرائيل “، ولا سيما العاصفة السياسية التي عاشتها في أعقاب مجزرتها الأخيرة في قطاع غزة في يوم ذكرى النكبة، وإن صح لنا القول فإن ” إسرائيل ” تنتظر حدثاً ذو أهمية تبادر به المقاومة من أجل شن عدوان جديد وإن كان مؤقتاً و مرحلياً تحت مسمى الدفاع عن النفس- مع أن ” إسرائيل ” بطبيعتها لا تنتظر مبرراً لشن أي عدوان على الشعب الفلسطيني –.

الرغبة الإسرائيلية في مواصلة بناء الجدار الأرضي الخاص بالأنفاق قبل أي عملية عسكرية، والتي شكلت بدورها حالة من القلق والذعر خلال الحرب السابقة، حيث تعتبر ” إسرائيل ” بأن وجود مثل هذا الجدار بمثابة خط دفاع حصين للمستوطنات والجيش المتواجد على الأرض، بالإضافة الى أنه عائق أمام المقاومة الفلسطينية.

بعض التسريبات التى تخرج من القاهرة حول عدد من التفاهمات بين حركة حماس والمخابرات المصرية فيما يتعلق بالشأن الفلسطيني وبما فيها التهدئة في قطاع غزة، لكن حتى اللحظة لا يوجود أي تصريح أو تعليق فلسطيني حول الموضوع.

الحراك الأمريكي فيما يعرف ” بصفقة القرن ” أو الرؤية الأمريكية – الصهيونية لحل الصراع – على حد وصفهم – تلزم ” إسرائيل ” بعدم خوض حرب في هذه المرحلة، حتى يتم تطبيق ما خطط و رسم له بمساعدة عربية يصب في تصفية القضية الفلسطينية.

ختاماً، إن ما يجري على الأرض الآن هو عبارة عن ” لكمات نار” جولات مواجهة محدودة الأدوات والتوقيت، ولكن تبقى مسألة الحرب ضمن دائرة المصالح السياسية، ففي اللحظة التي ترى فيها “إسرائيل” بأنها سوف تحقق مكاسب ومصالح سياسية من وراء الحرب سوف تخوض غمارها بلا شك وإن كانت تعلم علم اليقين بأنها ستدفع ثمناً على الأرض أكثر من أي وقتٍ مضى لِما تمتكله المقاومة من عُدة وعَتاد معلومة وغير معلومة، وأود التنويه الى أنني لا أستطيع أن أجزم بشكل تام بعدم وقوع حرب، فلربما تقع حادثة معينة على أرض الميدان تقلب التوقعات والطاولة رأساً على عقب.

– مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني



عاجل

  • {{ n.title }}