ما هو قانون "القومية" وما هي مخاطره؟

قانون "القومية" الذي أقره الكنيست الخميس الماضي، هو "قانون أساس"؛ حيث لا يوجد دستور للكيان الصهيوني فقوانين الأساس تأخذ مكانة الدستور ولا يمكن تغييرها بسهولة.

ينص قانون القومية على أن إسرائيل هي الوطن القومي لليهود، وأنهم وحدهم يملكون حق تقرير المصير، وأن اللغة العبرية وحدها هي اللغة الرسمية، وأن من وظيفة الدولة تشجيع الاستيطان اليهودي.

تبدو هذه الأمور ليست جديدة للكثير من الناس، وهذا صحيح جزئيًا، لكن هنالك أمور جديدة وخطيرة يطرحها القانون يجب التنبه إليها.

أولًا: عند قيام الكيان الصهيوني عام 1948م حرص على التظاهر بالديموقراطية والحرص على حقوق "الأقليات"، وذلك حتى يقبل العالم به، فأعطى اللغة العربية مكانة رسمية (القانون الجديد لغاها)، وأعطى بعض الحقوق الأساسية لفلسطينيي الداخل.

ثانيًا: حرص الاحتلال على إعطاء مظهر "ديموقراطي" لقوانينه، فلا توجد في غالبيتها عنصرية فاقعة، باستثناء قوانين محدودة مثل قانون حق عودة اليهود إلى فلسطين.

ثالثًا: العنصرية الصهيونية كانت تمارس من خلال قوانين التفافية وهنا سأتوسع حتى نفهم الفكرة:

فمثلًا لا يوجد قانون يقول أنه يجب تهجير الفلسطينيين أو يمنع اللاجئ الفلسطيني من العودة، لكن هنالك قوانين تؤدي لهذه النتيجة، مثل قانون أملاك الغائبين: والذي ينص على أن جميع سكان فلسطين الذين تواجدوا في مناطق العدو خلال حرب عام 1948م، يعتبرون غائبين وتدير أملاكهم مؤسسة "حارس أملاك الغائبين" وهي مؤسسة حكومية تقوم بتأجيرها للمستوطنين ولصالح الاستيطان.

نتيجة هذا القانون أنه يمنع اللاجئين الفلسطينيين من العودة لممتلكاتهم، بما فيهم أولئك الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية واضطروا خلال الحرب إلى اللجوء للقرية المجاورة فلا يستطيعون العودة إلى منازلهم.

طريقة أخرى لمصادرة الأراضي وسرقتها: 

تأتي دولة الاحتلال وتقول لأسباب أمنية يمنع أصحاب هذه الأراضي من دخولها، هي لهم لكن الجيش يريد استخدامها لأسباب أمنية، وبعد عدة سنوات يستغل الاحتلال بعض القوانين التي تعود للعهد العثماني، ويقول أن هذه الأراضي مهملة ولم يستغلها أصحابها فتريد الدولة استردادها.

كما يحرم الفلسطينيون في الداخل المحتل من الكثير من الوظائف الحكومية أو الامتيازات في السكن والحياة اليومية، لأنه يشترط للحصول عليها الخدمة في جيش الاحتلال، طبعًا بما أن الغالبية من الفلسطينيين لا يخدمون فهم محرومون منها.

رابعًا: هنالك عنصرية ممارسة وليست موجودة في القوانين، فمثلًا يمنع على الجنود الدروز أو غيرهم التكلم بالعربية، رغم أنها لغة رسمية، وذلك بحجة أن التناغم في مكان العمل يتطلب الكلام بلغة واحدة (أي العبرية)، ومن يخالف يعاقب.

وكما حاولوا تطبيق ذلك مؤخرًا على العاملين العرب في المستشفيات.

وأغلب المجازر التي ارتكبت في حرب عام 1948م أو بعدها، ارتكبت بناءً على أوامر شفهية وفي أحيان كثيرة أوامر ضمنية غير صريحة.

يريد مشرعو قانون القومية أن تكون القوانين العنصرية مباشرة وغير التفافية، ويريدون جعل الممارسات العنصرية قوانين ثابتة وملزمة.

وهذا يعود لعدة أسباب:

1- التيار المسيطر داخل الكنيست وحكومة الاحتلال، والممثل بتيار قوي داخل حزب الليكود (الذي طرح القانون هو آفي ديختر من الليكود) وحزب البيت اليهودي (حزب الاستيطان)، غير راضٍ عن الصيغة الالتفافية للعنصرية الصهيونية في القوانين، ويريدها أن تكون واضحة، ويرى أنهم لا يمارسون أي خطأ ويجب على العالم أن يقبل بهذا الأمر الواقع.

وهو يظن أن الوضع الحالي في الدول العربية، وإدارة ترمب الأمريكية، هي فرصة مناسبة لتمرير هذا القانون.

2- بدأ الفلسطينيون يتعلمون كيفية التعامل مع القوانين الالتفافية أو مواجهة الممارسات العنصرية غير المقننة، فيستغلون القانون لتأجيل هدم المنازل، وفي المناطق المهددة بالمصادرة تجدهم يحرصون على الإقامة فيها ولو بشكل رمزي ومؤقت، وما شابه.

بالتالي يريدون وضع قوانين تقطع على الفلسطيني أي محاولة للاستفادة من الثغرات القانونية الصهيونية.

3- القوانين بشكلها الحالي تعيق عملية الاستيطان وسرقة الأراضي، فسابقًا كانوا يراهنون على خوف الفلسطيني وهربه ومصادرتها وفق قانون أملاك الغائبين، لكن الفلسطينيون اليوم لا يهربون، وقوانين هدم المنازل بطيئة وقد تستغرق إجراءات هدم منزل الفلسطيني عشرة او عشرين عامًا في بعض الأحيان.

هم يريدون قوانين تسرع هدم المنازل، فهذا يساعدهم بالتهجير، ويريدون قوانين تشرعن سرقة الأرض من الفلسطيني حتى لو لم يهرب وبقي متمسكًا فيها، ولهذا جاء قانون "التسوية" في عام 2017م ليتيح للمستوطنين أخذ أراضٍ فلسطينية ويمنع إعادتها لأصحابها، في حال كان الاستيلاء عليها "بحسن نية"، وبعد إقرار قانون القومية يصبح الاستيطان تلك "النية الحسنة" التي تبيح سرقة تلك الأرض حتى لو كانت بحوزة صاحبها الفلسطيني وباستخدامه لها.

ما هي آثار هذا القانون:

أولًا: هو يهدد بالدرجة الأكبر فلسطينيي الداخل المحتل، حيث يهيئ الأرضية لسحب الامتيازات التي تمتعوا بها طوال السنوات الماضية، ويجعلهم مواطنين من الدرجة الثانية.

بل قد يتيح تهجيرهم بتهمة عدم الولاء للصهيونية وعدم الولاء ليهودية الدولة.

أما فلسطينيو الضفة وقطاع غزة فهم بلا حقوق أصلًا، حيث يعتبرهم الاحتلال مجرد رعايا يعيشون داخل مناطق محتلة، ولهم قانونهم العسكري الخاص الذي يتم تفصيله بشكل يضيق عليهم.

ثانيًا: يسرع من عمليات التهجير والتهويد في الداخل المحتل والضفة الغربية والقدس.

ثالثًا: هنالك أثر إيجابي للقانون في أنه يعري الاحتلال الصهيوني ويفضحه، لكن إن لم نستغل هذا الجانب وقابلنا القانون بهدوء وسكوت، فلن نستفيد منه وسيمر بكل سلبياته والمصائب التي سيجرها معه.

رابعًا: يأتي القانون في سياق تعزيز اليمين الصهيوني قبضته على دولة الاحتلال وفرض رؤيته الفاشية والعدوانية، وهذا نلمسه في الممارسات والتشريعات المختلفة.

في الختام:

القانون خطير جدًا، ويعطينا مؤشرات واضحة عن نوايا الاحتلال في تسريع عمليات هدم منازل الفلسطينيين (هنالك ما لا يقل عن عشرين ألف أمر هدم بالداخل المحتلة والضفة الغربية)، وتهجيرهم وتجميعهم في جيوب معزولة (سيناريو غزة)، وتسريع الاستيطان والتهويد (والأقصى هدف قريب).

سكوتنا سيعطيهم الضوء الأخضر للانقضاض علينا، وللأسف البعض ما زال يدفن رأسه في الرمال ويعتقد أنه بالإمكان شراء الوقت "إلى أن تتحسن الظروف"، بينما الواقع أنه كلما مر الوقت سيسوء الوضع أكثر.



عاجل

  • {{ n.title }}