إليكِ في البُعدِ الزائل

كلُّ شيءٍ يكاد أن يبدوَ كاملًا، الأوراقُ هنا، والكلماتُ هناك، والحبرُ مسكوبًا عليها، لكنَّ غيابكِ يا أمِّي يجعلُه ناقصًا منْ كلِّ بريق، وفارغًا منْ كلِّ روح، وأنا أحاولُ كثيرًا جمعَ الكلمات والمفردات، وسقايةَ قلمي بمدادِ الحريَّة، وإنعاشَ أوراقي بروحٍ لا تملُّ ولا تسْتَكين، كَيْ لا يَعيبَها أيُّ نقصان، لكنَّني أجدُها في النهاية ناقصة.. ناقصةً منكِ، مِنْ فكركِ المتَّقِد ليشتعِلَ قلمي وَهَجًا ولظى، ومن عِناد كلماتكِ لتتمرَّدَ حروفي وتنزعَ عنها ثوبَ تلبُّدِها، ومِنْ حُنو قلبِكِ لتعطِيَ كلماتي شعورًا ساميًا.

أبحثُ عنكِ في كُلِّ مكان، في كُلٍّ زاويةٍ منْ زوايا البيت، في كُلِّ ذكرى جمعَتْنا، أرى طيفكِ كُلَّما جنَّ ليلٌ في ذلك الطريق في العتمة مُكبَّلةً بقيودٍ معصوبةَ العينينِ تُقتادين بعيدًا عنَّا، أراكِ في فنجان قهوةٍ نتشارُكُه معًا تشكَّل على ظاهرِه رسْمُ ضحكاتِنَا، أراكِ في قرآنٍ اعتدتِ ترتيلَهُ بصوتٍ يفوقُ جمالًا تغريد عصفورٍ يترنَّم بطَلْعةِ الصبحِ مبتهجًا، وفي كتابٍ تقرأينه بنهمِ الجائع للفَهْم والحكمة، تتمثَّلينَ لي دومًا ناصحةً، ليقلَّ تعثُّري ويرتفعَ شأني، أراكِ في صفحةٍ أسكُبُ عليها رسْمَ ريشتي لترسمَ وجهكِ بتمرُّدٍ ومن غير انتباهٍ منِّي، في عَيْنَي يحيى الصغير حينما يرى صورتَكِ فينطقَ "ماما".

أراكِ في كُلِّ شارعٍ استرقَ السَّمعَ لكلماتنا وأحاديثِنَا سويًّا، والآن أصبحتْ هذه الشوارعُ تشتكي فحينًا تسمعني وحينًا تأبى، أراكِ في كُلِّ دمعةٍ تخونُ قوَّة عزْمي ورباطة جأشي، تنسكبُ منْ مآقي عينيَّ عُنوةً فتتدحرجُ حارقةً تكوي خدَّيَّ بآلاف المشاعر التي لا تُقال، أبصرُكِ في عُنفوانٍ كاذبٍ للحديث عنْ تفاصيلِ يومي، لا زلتُ حتى الآن يا أمِّي أتوقُ لمحادثَتِك عمَّا جَرَتْ عليه أيَّامي، ولكنْ سرعانَ ما تحضرُ حقيقةُ أنَّكِ لستِ هنا، كالرصاصة تقتلُ كُلَّ ذلك التَّوقِ داخلي، ليَحلَّ مَحلَّه صبرٌ على الأيام، ورضى بما قضى الله لنرضى بأقدارِنا التي يمحِّصُ بها قلوبنا ليبتلِيَها.

وأنتِ الآن في زنازين البردِ والظُّلماتِ مُرتعشةً محرومةً من رائحةِ التراب وشعاعِ الشمس أتراكِ تذكرين كُلَّ الذي أذكرُه أنا الآن؟ هل تذكُرِين في سالِف أيَّامِنا التي جمعتْنَا مؤخَّرًا كَمْ قلتِ لي أنْ أعودَ لقلمي ولصَفِّ حروفي ونَظْمِ كلماتي؟ وهأنذا أعودُ يا أمي كما تمنيتِ.. لأجلكِ، وكأنَّكِ كفِلسطينَ قضيةٌ لا تغيبُ عنْ خاطري، أراها في كُلِّ شَمْسٍ تضيءُ الشوارعَ بجدائلها الذهبية، أتراكِ تذكرين كَمْ كنتِ تفرحين حينما أخبركِ بقضيةُ أكتب عنها وأودُّ طرحَها، فلا تَألينَ جهدًا كيْ تقرأيها بكامل انتباهك؟ 

أمَّا الآن فقدْ أصبحتِ أنتِ قضيَّتي، ولكنَّكِ لمْ تعودي هُنا لأنالَ شرفَ مراجعَتَكِ لنصوصي البسيطة، بدءًا بهذا الذي أخطُّه، أتذكرين نقاشاتِ الصباحِ النديَّة التي تصمتُ فيها الألسنُ أمامَ حُسْنِ كلماتكِ وبهاءِ فكركِ وسلامةِ ذوقكِ الأدبيِّ؟ هل تذكرين فرحتكِ بأول نصٍّ كتبتُهُ في صِغَرِي واهتمامَكِ الدَّائمَ بكلماتي الطفولية لتُصبحَ كلماتٍ راشدةً تَعرفُ وجهَتَهَا وسبيلَهَا؟ هل تذكرين تدوينتي الأولى التي كانتْ تتحدَّثُ عن طفولتي التي عشْتُها بغيابِ والدي أسيرًا، والآن أكتبُ عن شبابي الذي أعيشُهُ بغيابك أسيرةً لأدافعَ عن كَلمتكِ وأحفظَها في قلبي وأحميَها من السقوط في متاهات الظلم والنسيان؟ 

إنَّه الابتلاء يا أمِّي، الابتلاء الذي كتبه الله على عباده ليمحِّص به قلوبَهم، ويرفعَ درجاتِهم بالجنة بإذْنِه، الابتلاء الذي يطهِّر القلبَ منْ تعلُّقٍ بدنيا أو ملاحقةٍ لامتيازٍ دنيويٍّ، الابتلاء الذي حدثتِنا عنْ أجرِه للصابرين عليه طويلًا، والذي أخبرتِنا عنه دائمًا بتعبير التضحية لله جلَّ عُلاه، فكيف لنا الآن ألّا نصبرَ وكنتِ أكثرَنا صبرًا واستعدادًا لدفْعِ أيِّ ثَمَنٍ إلا ثَمَنَ الذلِّ والهوان؟ 

والله يا أمي ما عهدتكِ يومًا إلّا صابرةً ومستعدةً في كلِّ حينٍ لدفْعِ ثمن كلمة الحقِّ، وما حدثَتْ مأساةٌ أبدًا في العالم العربيِّ إلَّا وانقبضَ قلبُكِ واسودَّتْ لحظاتُكِ لمآسيهم، ما وهنتِ يومًا ولا جعلتِ للصمتِ ذريعًة للراحة، ولا جعلتِ منْ كونكِ امرأةً حُجَّةً كيْ لا تجاهدي في بناءِ جيل بفكرٍ كان ينمو فيكِ منذ طفولتك الثائرة.

عزيزتي وحبيبتي وكُلّي، إنْ كان الغِياب يحاول قتلَ الصبرِ فينا، فإنَّ صبرَنا لا يموت بلْ صبرٌ جميل والله المُستعان، وإنْ كانت السلاسل تقيِّد أجسادَنا، فإنَّ أرواحَنا لا يقيِّدُها أيُّ سلاسل ما دام حُبُّ الله ثابتًا فيها لا يغادِرُها، وإنْ كان العالَم يرضى لنفسه الخنوعَ والحيادَ عن دربٍ فرضه الله علينا، فإنَّ قلوبَنا تأبى تضييعَ الفرائض، وإنْ كانتْ جدرانُ السجنِ تظنُّ أنَّها بعُلُوِّها وقسوتِها تنسينا صبرَنا وتكسرُ ثباتَنا فإنَّ الله لمْ ينْسَنا حينما قال في كتابه: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)، وإن امتلأ هذا الوطن المطعون بألفِ طعنةٍ بمنْ خَجِل الحجرُ منْ أعمالِهم وخياناتِهم، فإنَّ الكلماتِ الحرَّة ستعلُو على نفاقِهم وتُصمتُ كُلَّ أكاذيبِهم المختبئة خَلْفَ كلامِهم المنمَّق، وتصيبُهم بحمَّى الخوفِ من كل حرفٍ لا يخافُ إلا ربَّه، لذا أنْتِ حرَّةٌ أينما كنتِ، حتى وإنْ كانت القضبانُ هي كُلُّ ما يفصلُكِ عن نور الشمس، أنتِ حرَّةٌ وحرَّةٌ أكثر منَّا جميعًا، فالحريَّة حريَّةُ الرُّوح قبلَ حرِّيةِ الجسد.



عاجل

  • {{ n.title }}