انتفاضة ضد السلطة في ضواحي القدس

تدور مواجهات منذ ايومين في بلدة العيزرية بين عشيرة عرب الجهالين وأجهزة أمن السلطة، بعد مقتل شاب من العشيرة أثناء قيام الأجهزة الأمنية بحملة ضد تهريب المحروقات.

الموضوع لا يتعلق بحادث عابر بل هو نذير انفجار اجتماعي في المنطقة وسنرى له امتدادات خطيرة في الضفة الغربية.

سأشرح بداية عن خلفية الحادث، ومدى خطورة ما يحصل، وفي نهاية المقال سأشير إلى الوضع الخطير الذي قد يدمر الضفة ما لم يتم التعامل معه بالشكل الصحيح.

خلفية الأحداث:

تعتبر منطقة ضواحي القدس تجمعًا سكانيًا كثيفًا، وتتداخل فيها مناطق سيطرة السلطة والاحتلال بشكل كبير، مما جعلها منطقة لفترة طويلة خارج سيطرة "القانون"، وجعل اقتصادها مرتبط إلى حد كبير بنشاطات غير قانونية كثيرة.

تجذب المنطقة رغم مناخها شبه الصحراوي وغير الودي، أعدادًا كبيرة من الفلسطينيين، لأسباب عدة: قربها من مدينة القدس، وجودها وسط الضفة الغربية ومرور الطريق الوحيد الواصل بين شمال الضفة وجنوبها من خلالها، والاقتصاد المزدهر الناجم عن غياب أي سلطة (احتلال أو فلسطينية).

غالبية مناطق ضواحي القدس تابعة للسلطة مثل الرام والعيزرية وأبو ديس والسواحرة وعناتا والشيخ سعد والزعيم وحزما وجزء من مخيم قلنديا، وهنالك جزء أصغر تابع رسميًا للاحتلال لكنه فعليًا امتداد لمناطق السلطة مثل الجزء الآخر من مخيم قلنديا وكفر عقب ومخيم شعفاط وراس خميس وضاحية السلام.

هذا الواقع سبب مشاكل للسلطة والاحتلال معًا، فالمنطقة بؤرة نشطة للمقاومة ضد الاحتلال، وتزدهر فيها تجارة السلاح المصنع محليًا، ومعبر للمقاومين الذين يتوجهون من الضفة إلى القدس.

أما بالنسبة للسلطة فأصبحت المنطقة مثل "الملاذ الضريبي" حيث تمارس فيها أنشطة اقتصادية كثيرة دون دفع ضرائب للسلطة، مما شكل استنزافًا ماليًا للسلطة.

النشاطات "غير القانونية":

والمقصود هنا بالنشاطات غير القانونية، وفقًا لقوانين السلطة والاحتلال، وبعضها مقبول اجتماعيًا وبعضها الآخر غير مقبول، وبشكل مجمل نتكلم عن الآتي:

أنشطة غير مقبولة اجتماعية: مثل تجارة المخدرات.

أنشطة شبه مقبولة اجتماعيًا: مثل السيارات المشطوبة (غير المرخصة) وتجارة السلاح.

أنشطة مقبولة اجتماعيًا: مثل تهريب البضائع والمحروقات بشكل خاص.

أنشطة مقبولة اجتماعيًا وضرورة وطنيًا: مثل تهريب الأشخاص من الضفة إلى القدس.

السلطة بدأت حملتها في الضواحي بالتنسيق مع الاحتلال منذ سنوات قليلة، وبدأت بتجارة المخدرات (حتى تلاقي قبولًا جماهيريًا)، ثم انتقلت إلى السيارات المشطوبة والآن هنالك حملة شرسة منذ أسابيع ضد تهريب المحروقات.

ولا تستغربوا إن جاء الوقت وتشن السلطة حملة ضد تهريب الناس إلى القدس، واعتباره نشاطًا غير قانوني.

تهريب المحروقات:

يقوم المهربون بشراء المحروقات من المستوطنين، دون دفع الضريبة للسلطة، وثلاث أرباع ثمن المحروقات هي عبارة عن ضرائب تدفع للسلطة، فعندما يبيع المهرب المحروقات بنصف سعرها الرسمي يكون قد حقق أرباحًا عالية وبنفس الوقت يستفيد المشتري.

وهنالك مئات الأسر (أو أكثر) تعتاش على بيع المحروقات المهربة، ويفترض أن توفر لهم السلطة بديلًا يعتاشون منه، لكن ما يشغل بال السلطة هو زيادة إيراداتها دون أي اعتبار للناس.

عرب الجهالين:

تجمع عرب الجهالين في منطقة العيزرية نشأ نتيجة تهجير الاحتلال لهم من المناطق القريبة، من أجل بناء المستوطنات، وقريبًا سينضم إليهم إخوانهم من الخان الأحمر.

وبعد أن كانوا رعاة مواشي أصبحوا يعيشوا في "أحياء عشوائية"، ولا يوجد أمامهم سوى نشاطات مثل تهريب الوقود والسيارات المشطوبة.

لكن السلطة لم تراعي ذلك، وبعد أن هدمت مساء الخميس احدى محطات الوقود في العيزرية، توجهت إلى تجمع عرب الجهالين، وقام عناصر الأجهزة بالاعتداء على الأهالي بالضرب والشتم، مما أدى لاندلاع مواجهات، ومقتل الشاب برصاص الأجهزة، رغم أنه كان يقف أمام منزله ولا يشارك بالمواجهات.

مقبلون كارثة اجتماعية في الضفة:

ما يحصل في العيزرية وضواحي القدس، ينذرنا بكارثة اجتماعية في الضفة، فإجراءات الاحتلال تخنق أي إمكانية للتطور الاقتصادي، وما تهجير عرب الجهالين إلا مجرد مثال.

والسلطة في المقابل همها الأول زيادة الإيرادات والجباية، وكل هذه الأموال تذهب من أجل رفاهية الأجهزة الأمنية ومنتسبيها، وللفساد المقنع (مثل تعيين إسراء الهباش في سفارة فلسطين بتركيا).

وفي نفس الوقت فالسلطة تمنع مقاومة الاحتلال والمطالبة بحقوقنا من هذا الاحتلال المجرم، وذلك تحت شعار "بدنا نعيش"!

الوضع الاقتصادي في غزة أسوأ من الضفة، لكن حماس سمحت للناس بتوجيه غضبهم إلى الاحتلال الذي يحاصرهم، لهذا مهما علت أصوات الانتقاد لحماس في الإعلام، إلا أنها تسيطر على الوضع داخليًا في غزة إلى حد كبير.

لكن في المقابل فالسلطة هي المتسبب الأول في تدهور الوضع اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا ووطنيًا في الضفة، وإن لم ينفجر الناس بوجه الاحتلال، فسيتكرر المشهد الذي نراه في العيزرية، وإن لم ينفجروا بوجه السلطة فسوف ينفجرون في وجه بعضهم البعض!

يجب تصحيح البوصلة وإلا فالضفة تواجه مستقبلًا مظلم.



عاجل

  • {{ n.title }}