مقاومة الاحتلال: بين نموذجي القسام وأمين الحسيني

يعتبر الشيخ عز الدين القسام والحاج أمين الحسيني أهم شخصيتين قاومتا الاحتلال البريطاني والمشروع الصهيوني قبل نكبة فلسطين، ورغم أوجه التشابه بينهما: فكليهما من خلفية دينية، ودرسا في الأزهر، وأعمارهما متقاربة (ولد القسام عام 1883م والحسيني عام 1895م)، إلا أن هنالك اختلافات جوهرية بينهما.

أريد التطرق لهذه الاختلافات ليس فقط للأهمية التاريخية، بل أيضًا لأن نفس الإشكاليات التي أخرجت هذا التباين، ما زالت موجودة حتى اليوم، ليس فقط في فلسطين بل أيضًا عند الحديث عن الاستعمار والثورات المضادة في الدول العربية.

عز الدين القسام ينتمي لمدرسة تتبنى المواجهة الشاملة مع المشروع الاستعماري، بينما الحاج أمين الحسيني يمثل مدرسة تتبنى المزاوجة بين المواجهة الشعبية والاتصالات السياسية لمواجهة الاستعمار.

سأعطي نبذة قصيرة عن كل منهما، ثم أقارن بين نهجيهما، وفي النهاية سأتناول الإشكاليات المشابهة التي نلمسها اليوم سواء في محاربة الاحتلال الصهيوني أو الثورات المضادة في الدول العربية.

الحاج أمين الحسيني:

ولد الحاج أمين الحسيني لعائلة إقطاعية تنتسب إلى الأشراف، وكان لها مركز مرموق في العهد العثماني، وكان شقيقه موسى كاظم الحسيني رئيسًا لبلدية القدس.

بعد الاحتلال البريطاني لفلسطين أنشأ الحاج أمين الحسيني المجلس الإسلامي الأعلى لإدارة الأوقاف الإسلامية في فلسطين.

واختلف آل الحسيني مع الاحتلال البريطاني على خلفية المشروع الاستيطاني الصهيوني، لكنهم (مثل أغلب الزعامة الوطنية الفلسطينية وقتها) لم يدخلوا في صدام مفتوح، إنما بقيت الأمور بين شد وإرخاء من الجانبين.

عزل الإنجليز موسى كاظم الحسيني عن رئاسة البلدية، وعينوا بدلًا منه راغب بيك النشاشيبي، الذي آمن أنه لا جدوى من الصدام مع الاحتلال ويجب مسايرته والتفاهم معه، وكان له دور في إفشال ثورة 1936م بالاشتراك مع فخري النشاشيبي وفخري عبد الهادي، فشكلوا "فصائل السلام" التي كانت الثورة المضادة وحاربوا إلى جانب الإنجليز.

بعد وفاة موسى كاظم الحسيني عام 1934م برز الحاج أمين بصفته القائد السياسي الفلسطيني الأول، وركز على معاداة المشروع الصهيوني، مفرقًا بين الإنجليز والصهاينة.

وذكر بعض المؤرخين أن القسام عرض على الحسيني مشاركته الثورة ضد الإنجليز، لكن الحسيني رفض، وناقش هذه المزاعم الباحث سميح حمودة في كتابه عن القسام، وخلص إلى أنه لا يوجد أدلة قوية على وجود هكذا مراسلات.

بعد اندلاع ثورة 1936م تصدر الحسيني قيادتها السياسية رئيسًا "للجنة العربية العليا لفلسطين"، وبدأت ثورة جماهيرية في نصفها الأول، لكن بعد اغتيال أندروز حاكم الجليل عام 1937م، غضب الإنجليز واعتقلوا القادة الوطنيين، وحاولوا اعتقال الحسيني الذي لجأ إلى الأقصى، ثم هرب إلى لبنان.

هرب إلى العراق عام 1939م، وشارك في ثورة رشيد عالي الكيلاني عام 1941م، وبعد فشلها هرب إلى ألمانيا النازية وحاول الحصول على دعم هتلر، لكن ألمانيا هزمت في الحرب واعتقل في فرنسا، ثم هرب إلى مصر.

لم يستطع العودة لفلسطين كونه مطلوبًا للإنجليز وبقي في مصر، وغضب عبد الناصر على الحسيني عندما حاول التوسط بينه وبين الإخوان المسلمين، فقام بتهميشه حتى وفاته في بيروت عام 1974م.

الشيخ عز الدين القسام:

ولد في بلدة جبلة السورية، لأسرة ريفية متواضعة، بعد دراسته في الأزهر عمل في مجال التدريس، وكان مهتمًا بتوعية الناس والتواصل الجماهيري، حاول تجنيد الشبان والذهاب إلى ليبيا عام 1911م للتصدي للاحتلال الإيطالي.

شارك في الثورة ضد الاستعمار الفرنسي لسوريا عام 1920م، ونشط في جبال صهيون بريف اللاذقية، وحكم عليه بالإعدام غيابيًا، ثم لجأ إلى حيفا في فلسطين.

شارك القسام بتأسيس مسجد الاستقلال في حيفا عام 1926م، وكان أول من اعتلى منبره، حرص القسام على توعية الجماهير بخطر المشروع الصهيوني، وعلى عكس الحسيني اعتبر القسام أنه يجب محاربة الاحتلال البريطاني الذي يحتضن ويدعم المشروع الصهيوني.

بدأ القسام بتجنيد الأنصار في خلايا صغيرة، وتدريبهم على السلاح، استعدادًا لثورة مسلحة ضد الاحتلال الإنجليزي، ونفذ أنصاره عدة عمليات ضد المستوطنين بين عامي 1930 و1935م.

بعد ازدياد نشاط القسام العسكري، ثارت شكوك الإنجليزي وحاولوا اعتقاله لكنه هرب، وأثناء جولة له في منطقة جنين لتجنيد الأنصار اصطدم بقوة عسكرية بريطانية، واستشهد في أحراش يعبد في 19/11/1935م.

مهد استشهاد القسام لثورة 1936م، وأطلق خليفة القسام الشيخ فرحان السعدي رصاصتها الأولى، عندما نصب حاجزًا على طولكرم نابلس وأعدم اثنين من المستوطنين.

وبرز عدد كبير من رجال القسام قادة في ثورة 1936م مثل فرحان السعدي وأبو إبراهيم الكبير ويوسف أبو درة.

الفرق بين نموذجي القسام والحسيني:

القسام آمن من اللحظة الأولى بالكفاح المسلح، لكن الحسيني حاول تجنب حمل البندقية، كما أن الحسيني فرق بين الإنجليز والصهاينة، أما القسام فرأى أنهما وجهان لعملة واحدة.

كما نلمس فروقًا أكثر عمقًا بين الرجلين: فالحسيني القادم من عائلة إقطاعية، لم يتصور العمل السياسي بعيدًا عن العلاقات مع مؤسسات الدولة، فحاول تحاشي الصدام مع الإنجليز، وعندما وقع الصدام طلب المساعدة من رئيس وزراء العراق رشيد عالي الكيلاني، ثم طلب المساعدة من هتلر؛ كان يسعى دومًا لدولة تحتضنه.

بينما بنى القسام مشروعه على العلاقة مع الجماهير، وحرص على توعيتها ثقافيًا وفكريًا وسياسيًا، وبنى مشروعه من الأسفل بعيدًا عن أجندات الدول الكبرى.

أدرك الحسيني قوة بريطانيا العظمى، واعتقد أن مواجهتها بدون ظهر يسنده هو انتحار، بينما انتهت تجربة القسام باستشهاده سريعًا، لكن الذي أعطاها الحياة هو الوعي الشعبي، فكانت الجماهير تعيد انتاج تجربته كلما استشهد أو سجن أحد رموز المقاومة.

وتستمر المعضلة:

نفس الإشكاليات التي واجهها القسام والحسيني تطرح نفسها اليوم، فنحن لا نملك القوة لهزيمة الكيان الصهيوني وأنظمة الثورات المضادة، في ظل دعم أمريكي غير محدود، ولا نستطيع مسايرتهم لأن لهم شروطًا تعجيزية، ومهما سايرناهم سنصل إلى نقطة الصدام في نهاية المطاف.

ربما يمكن القول أن حماس هي الأقرب لمدرسة القسام، بينما ياسر عرفات هو الأقرب لمدرسة الحسيني، أما محمود عباس فيمثل مدرسة راغب النشاشيبي.

نلمس الإشكالية التي مر بها الحسيني لدى الإخوان المسلمين في عدة دول العربية، مثل الأردن والسعودية، فقد تحالف الإخوان فيها مع النظام لمدة من الزمن، وحصلوا على امتيازات، ورغم الاختلاف والتباينات إلا أنهم حرصوا على عدم قطع خط الرجعة مع النظام.

لكن مثلما حصل مع الحسيني بعد 1937م وقرار الإنجليز ملاحقته ومصادرة أملاك الأوقاف، أصبح الإخوان في هذه الدول يواجهون حرب الاستئصال منذ الانقلاب على مرسي في 2013م، وفي نفس الوقت لا يتخيلون أنفسهم بدون علاقة مع مؤسسات الدولة.

لكل مدرسة ميزاتها وسلبياتها، ولكل زمان ومكان حساباته المختلفة، لكن يجب أن نستوعب هذه الإشكاليات؛ فالنتيجة التي أبصرها القسام، والتي تعلمها الحسيني من خلال تجربته، هي أن معركتنا مع الاستعمار وأدواته هي معركة واحدة، وأننا مهما سايرنا هذا الاستعمار إلا أننا سنصطدم في نهاية المطاف.

وفي المقابل فرؤية الحسيني بصعوبة الصدام المفتوح مع دول الاستعمار العظمى لها وجاهتها.

الاعتماد على الجماهير أمر جوهري، لكن الجماهير قد تخذلك في اللحظات المصيرية.

على حماس وهي تنسج علاقتها مع الدول المختلفة سعيًا لتخفيف عبء الحصار، أن لا تنسى أن اعتمادها الأساسي هو على جماهيرها وقاعدتها الشعبية.

الموازنة بين الاعتبارات المتضادة، ليست بالأمر السهل، لكنها الخطوة الأولى على طريق قراءة المشهد بالشكل الصحيح.



عاجل

  • {{ n.title }}