قطع رواتب.. أم انقطاع عن التفكير الاستراتيجي؟

تلقيت بالأمس مجموعة من الصور والفيديوهات من بعض أصدقاء صفحات التواصل الاجتماعي يتواصلون فيها مع الإعلام الدولي لبيان واقعهم وقضيتهم التي آلمني جداً أن أسمع بها، وأن أتعرف إلى تفاصيلها البسيطة المعقدة، في قضية يخجل المرء فعلاً من الوقوف عليها والتصدي لها من خلال الإعلام، ولكني بعد أن اطلعت على المواد الإعلامية سمعية وبصرية ومعلومات تواترت على صفحاتي في التواصل الاجتماعي آثرت أن أبرق برسالة صغيرة عبر مدونة متواضعة لأقول كلمات لعلها تصل لمن يهمه الأمر.

القضية كلها تبدأ وتنتهي بإنسان خرج من السجون الإسرائيلية بعد رحلة صراع مع السجان لسنوات، ليجد نفسه بفعل الضغط السياسي في فلسطين مضطراً لخوض اعتصام وإضراب عن الطعام في الشوارع العامة وعند جوانب الطريق ليطالب بحقه الذي هو مفروض له بالفعل الوطني والسياسة الوطنية قبل أن يكون قراراً من هذا وذاك، أما أن يصل الأمر ببعض الفلسطينيين ملقون على الشوارع ومضربون عن الطعام ليطالبوا برواتبهم التي قطعها هذا المسؤول أو ذاك فهذا مما لا يسكت عنه بتاتاً.

لقد آلمني المشهد كثيراً أن أرى وأسمع أن فلسطينياً يقطع عن فلسطيني آخر راتبه الخاص بإعاشة الأسرى وعائلاتهم، ولست أرى أي مبرر لذلك حتى في ظل واقع الانقسام الأسود الذي يخيم على الشعب الفلسطيني، فبأي لغة يمكن لنا التغبير عن هذا الواقع، ولمن يمكن أن نوجه خطاب الرفض باسم كل ما هو مقدس ووطني ويدلل على الحياة في الواقع الفلسطيني.

إن غياب الرؤية الاستراتيجية لدى شخص ما أو مسؤول ما في هذه الدائرة أو تلك، وفي هذه المحافظة الفلسطينية أو تلك؛ لا يعني أن يعاني من يعاني أصلاً من الظلم من ظلم جديد، ولا يمكن لأي عذر في العالم أن يبرر المأساة التي يمكن أن يعيشها أسير محرر لا يجد قوت يومه بسبب قطع راتبه عنه، فمن أين يطعم أطفاله؟ ومن أين يعيل أسرته؟ ومن أين يؤمن العلاج لمرضه؟ وكيف يمكن لنا أن نطالبه بحياة كريمة ونحن ننزع منه أبسط مقومات الحياة الكريم؟

إنني لأحزن كإعلامي فلسطيني عندما أتطرق لهذا الأمر في الإعلام، ويؤسفني جداً أن أوجه مثل هذه الرسالة إلى السيد رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وصناع القرار السياسي في السلطة الفلسطينية وحكومة تصريف الأعمال في غزة وكل مؤسسات حقوق الإنسان الفلسطينية ووسائل الإعلام، بأن يتبينوا حقيقة ما جرى، ويحاسبوا المسؤول فوراً عن هذه المهزلة القاتلة التي لا يمكن لفلسطيني أن يقبل بها تحت أي حجة ومبرر، ولو كانت صادرة من شخص مسؤول أو رفيع المستوى، فهذا مما يتفق عليه جميع الفلسطينيين بكل مكوناتهم وألوانهم، أن الأسرى شيء خاص في المعادلة، ولا يجوز لكائن من كان أن يتجاوز عن حقوقهم ومتطلبات عيشهم الكريم.

أما أنا، فإني كإعلامي فلسطيني الأصل أعتذر أشد الاعتذار لكل أسير فلسطيني عزيز لم يلامس قلمي معاناته، وأشكر بعمق كل من راسلني خلال اليومين الماضيين بالصور والفيديوهات والوثائق والبث المباشر لتدهور أوضاع عدد من الأسرى المحررين المضربين عن الطعام وهم ملقون على حافة الشوارع أمام وزارة الأسرى يطالبون بحقهم بظروف قاسية ولا إنسانية، وأطالب كل إعلامي فلسطيني بأن يكون واقفاً عند حدود مسؤولياته بتصوير معاناة شعبنا في أي اتجاه وتحت أي ظرف، فهؤلاء الأسرى المحررون الذين هم - كما علمت -من كل ألوان الطيف السياسي الفلسطيني هم واجهة الشعب الفلسطيني، ولا أظن أي مسؤول في أي سلطة أو حزب أو مؤسسة يقبل بما يتعرضون له من مهانة وهم أعز الناس.

إنني وأنا أكتب هذه الحروف والكلمات النازفة لأعبر عن مدى أسفي لهذا الحال القاسي، ولتغيبي عن نقل معاناة، حتى ولو لم أسمع بها من قبل، ولكني أسأل الله أن تكون هذه آخر كتاباتي عن هذا الأمر، وأن تصل الرسالة لكل من يهمه الأمر، بوقف العبث بمستقبل الشعب الفلسطيني، والوحدة الاستراتيجية بين مكوناته، بجهل أو بخبث أو باستعلاء أو بأي مبرر، فنحن شعب واحد، ومستقبلنا واحد شئنا أم أبينا، وسنكون كإعلاميين شهوداً على هذا الواقع إن قبلنا به أن يستمر.



عاجل

  • {{ n.title }}