الشهيد باسل القواسمي رفض الاستسلام حتى الشهادة

تمر ذكرى الشهداء لتحفر في الذاكرة معاني البطولة، وتثير في النفوس عبقا من سيرتهم العطرة، وتورث الأجيال أمانة المضي على دربهم المنير، والسير على خطى جهادهم العظيم.

"باسل" اسم خلدته كرامة الشهداء، ولوحة شرف خطها فداء للأرض المباركة "فلسطين"، كما هو زقوم ألم وغصة شوك في حلوق المحتلين المعتدين.

لم تمحُ الأعوام الخمسة عشر من رحيله صورة جهاده المشرف، ولم تطوِ الأيام الطويلة من الفراق ملامح وجهه المشرق، وهو الجسد الذي عاد من مقابر الأرقام بعد عشر سنوات على استشهاده كما لو أنه فارق الحياة اليوم، فدمه النازف يشهد بصدقه ووجهه الوضاء دليل إقدامه.

إنه الشهيد البطل باسل "محمد شفيق" القواسمي، ابن 26 ربيعا ولد في السابع من سبتمبر عام 1977م، سليل عائلة خرجت الأبطال، وأنجبت القادة المجاهدين، وأهدت فلسطين ثلة من الفرسان الاستشهاديين، فمن أكناف هذه العائلة المجاهدة ترعرع باسل، تملؤ نفسه التربية الإيمانية الصالحة، ويزهر في قلبه الحب الخالص لله ودينه ووطنه، فعمه القائد القسامي الشهيد عبد الله القواسمي، الذي ارتبطت روح باسل به، فكان له بمثابة القدوة والمعلم والشيخ المربي، وكان أحد مساعديه في تنفيذ العديد من العمليات الاستشهادية البطولية التي هزت دولة الكيان خلال انتفاضة الأقصى المباركة، كما لحق بباسل شهيدا، شقيقه التوأم حاتم القواسمي.

كان الشهيد باسل طالبا نجيبا متفوقا، أنهى الثانوية العامة من مدرسة الحسين الثانوية، والتحق بجامعة الخليل ليدرس اللغة الإنجليزية، وكان تقديره الجامعي امتياز.

كان أحد رواد مسجد الحرس بالخليل، مشهود له بالتزامه الديني وبكريم أخلاقه وحسن صفاته، بار بوالديه، عطوف على إخوانه، واصل لرحمه، محبوب لكل من عرفه والتقاه.

توطدت علاقة الشهيد باسل بعمه القائد القسامي عبد الله القواسمي والذي استشهد في عملية اغتيال في الحادي والعشرين من شهر يونيو 2003م بعد مشوار جهادي مشرف وسلسلة من العمليات القسامية التي خلفت العشرات من القتلى والجرحى في صفوف جنود الاحتلال، وكان الشهيد باسل مساعدا لعمه في تنفيذ عدد من هذه العمليات البطولية، كما توثقت علاقته بصديقيه الشهيدين أحمد عثمان بدر وعز الدين مسك حيث جمعهم درب الجهاد، وقد استشهدا في عمارة حسن القواسمي في اشتباك مسلح مع قوات الاحتلال الصهيوني وشاءت الأقدار أن لا يكون باسل بصحبتهما.

وتخلل رحلة مطاردة الشهيد باسل والتي امتدت لأكثر من عام ونصف، هدم قوات الاحتلال بيت عائلته، واحتجاز والدته مدة ثلاثة أيام لإرغامه على تسليم نفسه، إلا أنه كان يرفض فكرة الاستسلام، فكان قلبه معلق بالشهادة، حيث رفض مرات عدة عروض والدته عليه بالزواج قائلا لها: "إذا أنا استشهدت يا أمي لا تبكي ولا تحزني وعليك أن تفرحي أكثر من فرحتك بزواج أبنائك، هذه طريقي اخترتها بنفسي ولم يجبرني عليها أحد وسأظل عليها حتى الشهادة".

وبعد استشهاد صديقيه عز الدين مسك وأحمد بدر ضيقت سلطات الاحتلال عليه الخناق، ففي صبيحة يوم الإثنين 22/9/2003 كان الشهيد باسل على موعد مع الشهادة حيث حاصرت قوات الإرهاب منزل المواطن أكرم شاهين في حي البصة إلى الجنوب من مدينة الخليل وقامت بإخلائه من سكانه وأخذت تساومه على الاستسلام وقامت بإدخال امرأة إلى المنزل قبل قصفه وطلبت منه أن يسلم نفسه لكنه قال لها بشموخ "لن يساومني أحد على إسلامي وديني"، لن أخرج ولن أستسلم، فما كان من قوات الاحتلال إلا هدم المنزل ما أدى لاستشهاد باسل مقبلا غير مدبر ولا مستلم.

وفي بيان نعيه قالت كتائب القسام: "نزفه إلى الحور العين، ليلتحق بركب الشهداء العظام، الشهيد القائد، مهندس عمليات القسام وخبير المتفجرات، إننا لا نتحدث عن أي مهندس وخبير، براعته شهد له فيها العدو قبل الصديق، وإن شوارع القدس والمستوطنات المحيطة بمدينة الخليل شهدت للشهداء عبد الله وأحمد وعز الدين وباسل صولات وجولات في مسيرتهم الجهادية، وباستشهادهم تكون كتائب القسام قد قدمت لبارئها وللأمة العربية والإسلامية خلية فذة لطالما أقضت مضاجع بني صهيون وأوقعت فيهم القتلى والجرحى بالمئات".

واحتجزت قوات الاحتلال جثمان الشهيد باسل عشر سنوات في مقابر الأرقام، لتسلمه لأهله في 31/5/2015م فشهد أهالي محافظة الخليل كرامة من كرامات الشهداء، حيث لم يتغير جسده بحفظ الله، فكان ينزف دما كما لو أنه استشهد حينها.



عاجل

  • {{ n.title }}