شيخ الاستشهاديين.. سليمان مصطفى دلول (غيظان)

من بين قافلة الاستشهاديين الذين أهدوا أرواحهم فداء لله والوطن، لمع اسم شيخ الاستشهاديين سليمان مصطفى غيظان، ذلك الرجل الهمام ابن الأربعين عاما، الذي التحق باكرا بصفوف المجاهدين، فحاز جائزتي السبق والصدق مع الله، حيث رغب عن الدنيا، وكان من أوائل الملتحقين بصفوف حركة حماس وكتائب القسام، وترك سيرة عطرة من الشجاعة والإقدام والثبات، لا زال بريقها يشع بعد 25 عاما على استشهاده.

 نشأ شهيدنا على حب دينه وأرضه، وعلى بغض المحتل المجرم الغاصب، ففي السنة الذي ولد فيها شهيدنا عام 1953م ارتكب جيش الاحتلال الاسرائيلي بقيادة شارون مجزرة بشعة بحق أهالي قريته "قبية" غربي رام الله راح ضحيتها قرابة ثمانين فلسطينيا شهداء، حيث أبيدت عائلات بأكملها وهدمت بيوت كثيرة بالإضافة إلى مسجد القرية ومدرستها، ما أسهم في تكوين وعيه بحقيقة عدوه وما اتصف بها هذا المحتل من الخسة والإجرام والعدوانية. فاختار الشهيد سليمان طريق الالتزام ليترعرع على موائد القرآن ويتشرب من آيات الجهاد روح الفداء ومقارعة الاحتلال، ولما صار شابا تعهد الأجيال من بعده فرباهم على معاني البطولة وزرع فيهم هذا الوعي المقاوم المنير.

ثبات قل نظيره

تعرض الشهيد سليمان للابتلاء والتمحيص الشديدان، فأظهر بأسا وثباتا قل نظيره، حيث كان عرضة للملاحقة والاعتقال، ففي العام 1991 دخل شهيدنا سجون الاحتلال للتحقيق معه حول حيازة أسلحة ومتفجرات، إلا أنه أبدى صلابة معهودة، وخرج من السجن بعد أن ثبت ثبات الأبطال.

وتوالت الابتلاءات على شهيدينا فاعتقل مرة أخرى في شهر أذار من العام 1993، ودخل التحقيق لمدة 60 يوما بتهمة الانتماء إلى حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، وقيادة المنطقة الجنوبية في مدينة رام الله، لكن أيام التحقيق والتعذيب الطويلة لم تفت من عزمه بل زادته تحديا وثباتا، فخرج من الأسر معاهدا الله عدم العودة خلف القضبان، فأصبح مطاردا ينام ليله في الكهوف ويقضي نهاره في الجبال يترصد جنود العدو الصهيوني ويصطاد منهم، ما دب الرعب في قلوبهم، وجعل من اسمه شبحا يلاحقهم.

رفقة العياش

كان شغف الشهيد سليمان بالشهادة كبيرا، يتحين الفرصة تلو الأخرى ليظفر بها، حيث عاهد الله بالمضي في طريق الجهاد حتى نيل الشهادة، فاستغل مرافقته للشهيد المهندس يحيى عياش خلال المطاردة ليحقق طلبه، فلما علم نية الشهيد المهندس تجهيز سيارة مفخخة لتنفيذ عملية استشهادية، أصر على أن يكون المنفذ، متقدما للشهادة بإقبال شديد، غير آبه لتقدمه في العمر مقارنة بالشباب الذين كانوا على استعداد لتنفيذ العملية الاستشهادية،  وبعد الحاح نزل يحيى عياش عند رغبة صديقه ورفيق دربه في المطاردة، وكان له ما أراد، لتكون عملية الشهيد سليمان عملية استشهادية نوعية ضمت بصمات المهندس يحيى عياش.

شيخ الاستشهاديين

كان لسليمان ما تمنى، في يوم العملية المقرر صبيحة يوم الاثنين 4/10/1993م، قاد السيارة المفخخة متتبعاً حافلة عسكرية صهيونية تحمل رقم (178) وتنقل جنوداً من القوات الخاصة في طريقهم إلى مقر قيادة القوات الصهيونية الذي يقع بالقرب من مغتصبة بيت إيل شمال مدينة رام الله.

وبعد أن تخطى سليمان ثمانية حواجز عسكرية أقامتها سلطات الاحتلال بين مدينتي القدس ورام الله مستغلاً لوحة الأرقام الصهيونية المثبتة على السيارة، تمكن من اللحاق بالهدف (الحافلة) أثناء اقترابه من المغتصبة، وما هي إلا ثوان معدودة، حتى كانت السيارة المفخخة تصدم الحافلة العسكرية من الجنب لتنفجر السيارتان محدثة دوياً هائلاً، تناثرت عقبه الأشلاء والصفائح المعدنية على مساحة واسعة، واعترف العدو بأن العملية أودت بحياة ثلاثة من جنوده وأصابت (28) جندياً بجراح متفاوتة.

وشكلت العملية الاستشهادية التي نفذها البطل سليمان دلول (غيظان) تحدياً كبيراً لإسحاق رابين بصفته وزيراً للدفاع، حيث استهدفت هذه العملية جنوداً مدربين ومدججين بالسلاح، في تحد جديد صنعته كتائب القسام، ولم تعتد عليه المؤسسة العسكرية الصهيونية.



عاجل

  • {{ n.title }}