"الكرمي والنتشة" جيش في رَجُلَين

إنها كرامة الجهاد والسير على طريق الشهداء، حيث تصطبغ أرواح المجاهدين بمحبة الله وتوفيقه، فيكتب لهم الرفعة والسداد، ويضع لهم القبول في الأرض علامة على قبولهم في السماء، إنهما القائد القسامي نشأت نعيم الكرمي ومساعده المجاهد القسامي مأمون تيسير النتشة، في الذكرى السنوية الثامنة لاستشهادهما، لا زالت طلتهم البهية حاضرة في نفوس أبناء شعبهم، وآثار جهادهم المقدس مغروسة في ترب الأرض المباركة، كما قذفوا في قلوب أعدائهم الرعب والخوف، فهم الكبار الذين سلكوا طريق الكفاح رغم الصعاب والمحن، حتى لقوا الله شهداء مقبلين غير مدبرين، بعد صولات وجولات شجاعة لا يمل حديثها.

الكرمي.. قائد ملهم

ثلاث وثلاثون عاما قضاها الشهيد نشأت الكرمي سطر فيها سيرة بطولة وقائد ملهم، مخلدا اسمه في ذاكرة المجاهدين الأبرار، وتاركا قصصا من العظمة والشجاعة يتتلمذ عليها الأجيال.

احتفت في السابع والعشرين من شهر أبريل/نيسان محافظة طولكرم بميلاده الجميل، حيث ترعرع في رحاب بيت عامر بالإيمان وارتاد المساجد باكرا، فمنذ نعومة أظفاره امتلأ قلبه بحب دينه والانتماء لوطنه، فكان أحد قادة الكتلة الإسلامية أثناء دراسته في المدارس الاعدادية والثانوية، كما كان طالبا مميزا في دراسته وأخلاقه، وبعد التحاقه بجامعة بوليتكنك فلسطين بالخليل لدراسة الهندسة ترأس مجلس طلابها عام 1998م.

رافق شهيدنا القائد القسامي خلال مسيرة حياته العديد من الشهداء منهم الشهيد عامر الحضيري، وبلال العابد، ومؤيد صلاح الدين، وإحسان شواهنة.

وتعرض للاعتقال في سجون الاحتلال ما مجموعه 7 سنوات، حيث اعتقل شهيدنا القسامي في العام 1999 وصدر ضدّه حكم بالسجن لـ 33 شهرًا بتهمة رئاسته لمجلس الطلبة في جامعة البوليتكنك وكان أقسى حكم يصدر على خلفية العمل الطلابي.

وفي العام 2004 كان أحد أفراد خلية قسامية ضمّت معه الشهيد القائد إحسان شواهنة، حاولت الثأر للشيخ ياسين والرنتيسي، ولكن قوات الاحتلال تمكنت من إحباط العملية الاستشهادية التي كانت سينفذها أربعة استشهاديين قبل ساعات من موعد تنفيذها.

وتمكنت قوات خاصة صهيونية من اعتقاله بعد أن أطلقت الرصاص عليه وهو داخل إحدى السيارات في مدينة الخليل، مما أدى إلى إصابته إصابة بالغة في حوضه وبطنه، مكث جراءها قرابة العامين في مستشفى سجن الرملة.

تعرض لتحقيقٍ وحشيٍّ وعنيفٍ من قبل ضباط الشاباك، على الرغم من إصابته؛ واعتقلت زوجته معه، لكنهم لم يتمكنوا من الحصول على كلمة واحدة منه، وتم إصدار حكم ضده بالسجن لخمس سنوات ونصف أمضاها في عدة سجون وأفرج عنه من سجن النقب قبل قرابة عام من استشهاده، كما عاش نشأت مطاردا من قبل الاحتلال وأجهزة السلطة الأمنية، فطالا بأذاهما جميع من عرفه وكان على علاقة به.

النتشة.. ثبات وإقدام

يتملك الإعجاب كل مطلع على حياة الشاب اليافع مأمون النتشة ذو الخمس وعشرين عاما، وهو يتألق في سماء المجد، ويظفر بشرف الجهاد في سبيل الله، حيث كان أحد مجاهدي القسام الأفذاذ. فمن بين أزقة مدينة خليل الرحمن ولد مأمون عام 1986م وترعرع في أكناف أسرة مجاهدة محبا لدينه ووطنه، فكان صاحب خلق دمث ومعاملة حسنة، كما صقلت شخصيته بمعاني الرجولة ما أكسبه شجاعة وإقداما قل نظيرها، وكان معتمدا على ذاته في تدبير شؤون حياته ومساعده أهله فعمل في مسلخ النتشة للدواجن، وافتتح ملحمة الأقصى على مفرق جامعة الخليل.

سجن مأمون لدى الاحتلال مرة واحدة قبل استشهاد أحد أقاربه وهو القائد القسامي شهاب الدين النتشة، وتم التحقيق معه في مركز عسقلان لمدة 3 أشهر، وكان التحقيق يدور حول علاقته بالشهيد شهاب الدين. وبعد التحقيق تم الإفراج عنه دون أن تفلح المخابرات الصهيونية بالنيل منه أو تلفيق التهم له. كما تعرض للسجن في سجون السلطة لدى جهاز الأمن الوقائي، حيث اعتقل مرتان مكث كل مرة من 15 إلى 30 يوما لاقى خلالها شتى صنوف التعذيب والتحقيق القاسي، كما تعرض أهله للاعتقال والاستجواب والتهديد من قبل أجهزة السلطة الأمنية للضغط على مأمون بتسليم نفسه، إلا أنه كان جبلا أشما صابرا محتسبا لم تفت من عضده سياط بني جلدته وملاحقتهم.

عمليات سيل النار

تمكن الشهيدان نشأت ومأمون من صناعة البطولة، والثأر لجراح الشعب الفلسطيني، عبر تنفيذهما سلسلة من العمليات الجريئة التي أقضت مضاجع العدو الصهيوني، وجاءت كرد صاعق على جرائمه من حيث لم يحتسب، حملت اسم "سيل النار"، ففي عملية سيل النار الأولى نفذ المجاهدان القساميان مساء الثلاثاء 21 رمضان 1431هـ الموافق 31-08-2010م عملية إطلاق نار تجاه سيارة للمغتصبين قرب مغتصبة "كريات أربع" الصهيونية المقامة قرب بلدة بني نعيم شمال الخليل، أسفرت حسب اعتراف العدو عن مقتل أربعة من المغتصبين الصهاينة.

وبعد أقل من أربع وعشرين ساعة على عملية الخليل البطولية، أطل المجاهدان القساميان بعملية سيل النار الثانية حيث هاجما بالأسلحة الرشاشة سيارة يستقلها مغتصبون صهاينة على ما يسمى مفترق "ريمونيم" شرقي مدينة رام الله المحتلة، وقد أسفر الهجوم عن إصابة مغتصبَيْن صهيونيَيْن بجراح، كانت إصابة أحدهما حرجة.

وفي اليوم التالي استكمل المجاهدان القساميان عمليات سيل النار بإطلاق النار تجاه سيارة صهيونية يستقلها مغتصبون قرب مغتصبة "عوفرا" الصهيونية شرق مدينة رام الله المحتلة وقد ادعى العدو الصهيوني عدم وقوع إصابات في الهجوم.

ملحمة الشهادة

بعد تنفيذهم عمليات سيل النار البطولية التي أثلجت صدور الشعب الفلسطيني، وأعادت للمقاومة في الضفة حيويتها وتألقها، وأثبتت إبداع العقلية القسامية رغم كل الصعاب التي رافقت تنفيذها، أيضا تمكن الشهيدان نشأت ومأمون من تسديد ضربة للأجهزة الأمنية، بالنجاح في الاختفاء عن عيون أجهزة الاحتلال والسلطة، وذلك رغم الملاحقة المكثفة والتي لم تترك خلالها هذه الأجهزة وسيلة لتعقبهم والضغط عليهم لتسليم أنفسهم إلا وسلكتها.

وبعد رحلة مطاردة مكثفة تجاوزت الشهر، حاصرت قوات الاحتلال ليلة الجمعة الموافق 8/10/2010م منزل المواطن سعدي برقان في منطقة جبل جوهر في الخليل والمكون من ثلاثة طوابق ومنازل لأقارب له في المنطقة حيث كان نشأت ومأمون يمكثان، وخاض المجاهدان ملحمة في المواجهة والاستبسال حتى الرمق الأخير، حيث استمرا في الاشتباك مع قوات الاحتلال المدججة ثماني ساعات متواصلة، لم يعرفا طريقا للاستسلام إلى أن ارتقيا شهيدين مقبلين غير مدبرين، في مشهد بطولي دوى خبره في أرجاء فلسطين، وخرجت الجماهير الفلسطينية الغفيرة حزنا على فراق هذين البطلين، وفخرا بما أبلياه من جهاد ومقاومة وصمود حتى الاستشهاد.



عاجل

  • {{ n.title }}