الضمان الاجتماعي في الضفة من ينتصر: السلطة أم الشعب؟

تتصاعد الاحتجاجات الرافضة لقانون الضمان الاجتماعي، والذي تريد السلطة فرضه على العاملين في القطاع الخاص، ويمس حوالي 450 ألف عامل وموظف فلسطيني في الضفة وحدها.

حجم الاقتطاعات الكبيرة من رواتب العمال، لا يشكل فرصة للسلطة لسد عجزها المالي، عبر الاقتراض من صندوق الضمان فحسب، بل أيضًا فرصة لاستفادة أقارب ومعارف شخصيات متنفذة في السلطة من الرواتب العالية لمؤسسة الضمان.

والأخطر من كل ذلك هو أن قانون الضمان يأتي في إطار عدة قوانين وإجراءات تهدف إلى ربط مصير الناس بالسلطة وبقائها، فيسهل تحكم السلطة والاحتلال بهم، فالسلطة تأخذ أموالهم وتحجزها حتى يبلغوا الستين من عمرهم، ليتقاضوا راتبًا تقاعديًا.

وقبل ذلك عملت السلطة على توظيف أعداد كبيرة في القطاع الحكومي، وغالبيتهم بطالة مقنعة غير منتجة، لتصبح لقمة عيشهم مرتبطة ببقاء السلطة، ويتحولون بالتالي إلى مدافعين عن بقائها.

كما عملت على ربط حياة الناس مع البنوك الخاضعة لرقابة مشددة من سلطة النقد الفلسطينية ووزارة الخزانة الأمريكية وسلطات الاحتلال الصهيوني، فضلًا عن استنزاف الناس في قضايا حياتية مثل حصار غزة وجمع الضرائب في الضفة الغربية.

إلا أن محاولة السلطة فرض قانون الضمان أدت لاصطدامها بشريحة واسعة ومتنوعة من المجتمع الفلسطيني، وتواجه مقاومة شديدة، وحراكًا متصاعدًا رافضًا للقانون.

تستطيع السلطة مواجهة وتهميش حماس التي يشكل المنتمون لها ما لا يزيد عن 5% من المجتمع (أتكلم عن المنتمين الملتزمين وليس المؤيدين)، كما استطاعت الالتفاف على إضراب المعلمين والذين شكلوا شريحة مهمة من المجتمع لكن تعدادهم مع عائلاتهم لا يتجاوز 5% من المجتمع.

أما المتضررون من الضمان الاجتماعي بشكل مباشر، فهم حوالي ثلثي المجتمع الفلسطيني (العاملين وعائلاتهم)، ولن تستطيع السلطة مواجهة 60% من المجتمع بنفس الأريحية التي واجهت الـ 5%.

ونحن نتكلم عن قطاع واسع ومنوع يشمل العاملين في المصانع، وشركات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والمدارس الخاصة، والمؤسسات التجارية، والمستشفيات الخاصة، والبنوك، وشركات التأمين، والمؤسسات الأهلية، وغير ذلك.

هذا التنوع يصعب احتواؤه، فرغم أن السلطة سعت خلال سنوات من أجل الهيمنة على النقابات الكبرى، واستطاعت شراء سكوتها في الأزمة الحالية، باستثناء نقابة المحامين التي تشارك في الحراك الرافض للقانون، إلا أن المتضررين استطاعوا تنظيم أنفسهم عبر نقابات العمال واللجان العمالية داخل الشركات نفسها، والحديث عن مئات النقابات واللجان العمالية، بالإضافة لعدة مجموعات نشطاء.

مما يجعل الحراك دون قيادة مركزية، وهو سلاح ذو حدين، فمن ناحية يصعب التنسيق بين أطرافه العديدة، إلا أنه في المقابل يشكل حماية حيث لا توجد قيادة مركزية تستطيع السلطة الاستفراد بها وابتزازها.

نحن أمام أقوى حركة احتجاج اجتماعي في الضفة الغربية منذ الانقسام عام 2007م، ويبدو أن السلطة لا تدرك الخطر الذي يواجهها، فلا نتكلم فقط عن أزمة بدأت اليوم مع قانون الضمان، بل هنالك تراكمات سكت الناس عنها، مقابل سلامة لقمة العيش، وعندما جاءت السلطة لتمس لقمة العيش، فلم يعد أي سبب للسكوت أو الخوف.



عاجل

  • {{ n.title }}