ضاحية "شويكة" تمرغ أنف المحتل في التراب

تلك البقعة الصغيرة الأبية على الانكسار الواقعة شمالي طولكرم، تمثلت اسمها بجدارة فباتت شوكة تغص في حلق الاحتلال وتؤرق أمنه، إنها ضاحية شويكة رافعة الوطن ورافدة المقاومة، وقفت كاليد الواحدة تصد هجمة احتلالية مسعورة ومتواصلة على مدار ثلاثين يوما، نفذت خلالها قوات الاحتلال وأجهزته الأمنية عقابا جماعيا بحق سكانها، فلم تدع فيها بيتا أو حجرا أو شجرا إلا داهمته وأخضعته للمراقبة والتفتيش، إلا أن الفشل كان مصير هذه الهجمة الشرسة، حيث كانت قوات الاحتلال تعود خائبة المرة تلو الأخرى، دون تحقيق هدفها بالوصول إلى ابن الضاحية الشاب المطارد أشرف نعالوة (23 عاما)، منفذ عملية مستوطنة "بركان" في السابع من أكتوبر الماضي.

تاريخ نضالي

سطرت ضاحية شويكة في محنتها الحالية سطورا مشرفة لتضاف إلى تاريخها النضالي الطويل، عبر ما مثلته من تكاثف شعب أجهض مساعي الاحتلال في العثور على المطارد أشرف، حيث شكلت حائط صد أفشل محاولات الاحتلال الاستفراد بعائلة نعالوة، من خلال تقديم أهالي الضاحية كافة أشكال الدعم المؤازرة لهم، ما أدى لاستنزاف قدرات الاحتلال، وإخفاقه أمام هذه الحالة الشعبية النوعية، والتي أشارت ضاحية شويكة من خلالها إلى تجذر خيار المقاومة في نفوس أبناء الشعب الفلسطيني، وإيمانهم بجدواها في تحقيق أهدافهم الوطنية واسترداد حقوقهم.

لم يكن التحام ضاحية شويكة مع المقاومة منبتا عن سيرتها الأولى، حيث خرجت من أبنائها العديد من الشهداء والقامات الوطنية والعلمية، كما اشتهرت بتقديمها الدعم للمقاومين مستفيدة من موقعها الجغرافي حيث تقع على بعد 2.5 كم عن مركز طولكرم بمحاذاة خط الهدنة عام 1948م، ويمر بالقرب منها خط سكة حديد يصل إلى حيفا، كما تربطها طريق معبدة فرعية مهمة ببلدات دير الغصون وعنبتا وبلعا وبمخيم نور شمس، فشكلت بذلك مصدرا مهما للسلاح والذخيرة الذي استخدمته المقاومة في تنفيذ العديد من عملياتها، كما كانت موقعا مهما لاغتنام المركبات والأجهزة الالكترونية الحديثة من المناطق الإسرائيلية المحتلة، وتزويد المقاومة بها، والذي ساهم في تنفيذ عدد من العمليات الفدائية، وفي نقل المطاردين والأسلحة خلال الانتفاضات الثلاثة، ما أدى لاستنزاف الاحتلال بصورة كبيرة، واضطره لزرع مجسات الكترونية متطورة في كافة المركبات ليتمكن من تعقبها، بالإضافة إلى إجبار قواته على القيام بعمليات تفتيش مستمرة لورش تصليح السيارات في الضاحية.

صمود أسطوري

لم تكتفي ضاحية شويكة بكون الشاب المطارد أشرف نعالوة أحد أبنائها، والذي نفذ عمليته بنجاح في مستوطنة "بركان" المحصنة أمنيا، فقتل خلالها مستوطنين اثنين بإطلاق النار وأصاب ثالث، ثم تمكنه من الانسحاب من مكان العملية بسلام. بل ساهمت ضاحية شويكة في اختفائه طيلة شهر كامل، مسددة بذلك ضربة أخرى موجعة لقدرات الاحتلال الأمنية التي طالما تباهى قادته بها، حيث تحمل سكان الضاحية بصمودهم الأسطوري هجمة الاحتلال الشرسة التي أعقبت العملية.

وكان من بين الصور المشرقة، ما أظهرته عائلة نعالوة من تحدٍ لبطش الاحتلال، متعالية بذلك على تهديداته بهدم منزلهم، ومتجلدة في وجه اعتقالاته واستجواباته وتهديداته التي طالت جميع أقارب المطارد أشرف، حيث عبرت والدته عن موقفهم الداعم لعملية نجلها من خلال تصوير مسجل بثته القنوات الإسرائيلية، وتداولته وسائل التواصل الاجتماعي، عزت فيه دوافع نجلها بتنفيذه العملية إلى استمرار اعتداءات الاحتلال على المقدسات والمواطنين والأراضي الفلسطينية.

كما سجل سكان ضاحية شويكة عدة مواقف مشرفة في دعم عائلة نعالوة، إذ عبروا عن استعدادهم إعادة بناء منزل المطارد أشرف حال نفذ الاحتلال تهديده بهدمه، وذلك خلال وقفات تضامنية احتشدوا فيها داخل بيت منفذ العملية رفضا لهدمه، كما بادر الأهالي إلى مواجهة وصد اقتحامات قوات الاحتلال المتكررة للضاحية، والتي بلغت 22 مرة خلال شهر أكتوبر الماضي.

هجمة شرسة

أدى نجاح عملية مستوطنة "بركان" وانسحاب منفذها من مكان العملية، إلى ممارسة الاحتلال عملية انتقام جماعية بحق ضاحية شويكة وسكانها، حيث شن حملة ممنهجة بقصد ضرب الجبهة الداخلية لأهالي الضاحية، والضغط على أشرف لتسليم نفسه، فكان من بين إجراءاته العقابية إعلان الاحتلال ضاحية شويكة منطقة خاصة، فارضا حصارا وطوقا أمنيا عليها، كما نفذ خلال شهر أكتوبر 22 عملية اقتحام مكثفة لأحيائها، وداهم 89 منازلا للمواطنين، استخدم خلالها الرصاص الحي والقنابل الصوتية لترويعهم، ما أدى لإصابة مواطنين اثنين بالأعيرة النارية، كما اعتقل 46 مواطنا بشكل عشوائي، وصادر 3 ممتلكات تعود للمواطنين، كما أجرى 59 عملية تفتيش للمنشآت والمصانع والمحال التجارية والمناطق الزراعية والمهجورة، إضافة لإقامته 20 حاجزا عسكريا في داخل أو محيط ضاحية شويكة، لكن هذه الهجمة لم تنل من سكان الضاحية وعزيمتهم، بل زادتهم فخرا أنهم يشكلون حصنا للدفاع عن ابنهم المطارد، ما أصاب الاحتلال بالفشل، وهز منظومته الأمنية المتطورة.



عاجل

  • {{ n.title }}