محمود أبو هنود.. أسطورة المقاومة الفلسطينية

"من أجلك يا فلسطين تطيب التضحيات، ومن أجلك يا قدس نستلذ الآلام، ولعيونك يا أقصى ترخص النفوس والأرواح"، في ثنايا هذي الحروف حكاية بطولة رصعتها دماء زكية، وصدقتها سيرة عظيمة من الجهاد والفداء، طابت في نفس كاتبها التضحيات لأجل دينه ووطنه، واستلذ الآلام في طريق الحرية، وأرخص الغالي مهرا للأقصى والجنة.

إنه علم من أعلام الجهاد في فلسطين، وفصل من فصول الشرف العتيق المزين لأرضها المباركة، وأسطورة من أساطيرها الحقيقية، فعندما تلتحم الفكرة الحية بالروح الثائرة، ويسقى القلب من صفو ماء السماء، تزهر صورة الشهيد القسامي القائد محمود أبو هنود، زاهية بما فيها من العزة والكرامة والإباء، وتمر بها الأيام لتمنحها خلودا قدسيا لا يطاوله الفناء.

17 عاما مرت على رحيل لا يعرف الغياب، فروح أبي هنود النضالية ساكنة في أزقة الضفة وحواريها، تتبع آثاره أقدام المطاردين والمجاهدين، يستلهمون من اسمه معاني الرجولة، حيث يمرون يجدون تلك البطولة محفورة في حواضرها، ومنقوشة على صخور جبالها، إنها رواية لا تقبل الاندثار، جبلت بالعشق المقدس توقا إلى الحرية.

قدر لقرية عصيرة الشمالية بنابلس أن تشهد مولد القائد الفذ محمود أبو هنود يوم الأول من تموز عام 1976م، ليتنسم مع هوائها العليل عبير الحرية، ويستمد من جبالها صلابة وشجاعة وبأس الرجال، كما سبلت روحه معاني الإيمان والفداء، وهو يترعرع في رحاب أسرة فلسطينية عرف عنها الالتزام، واشتهرت بأخلاقها الرفيعة، وكدها في الزراعة لتحصيل لقمة عيشها، فخرج من بين أكنافها رمز من رموز الكفاح الفلسطيني، وعلم من أعلام جهادها المبارك.

اعتاد أبو هنود طريق المساجد منذ صغره، وترعرع على حب دينه وأرضه، كما ختم مراحل دراسته في مدارس قريته، ثم التحق بكلية الدعوة وأصول الدين في جامعة القدس أبو ديس، فعرف عنه حبه العميق للعلم الشرعي، وشغفه بالقراءة والمطالعة، وحرصه على التزود المعرفي والعلمي.

أسطورة المقاومة

عرف عن أبي هنود شغفه بالجهاد ورفضه لذل الاحتلال، فكان من المسارعين للمشاركة في أحداث الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987م، وتعرض لإصابة خطيرة في العام 1988م خلال مشاركته في إحدى المواجهات التي اندلعت حينها، وتم اعتقاله لاحقا لعدة شهور في معتقل مجدو.

ونظرا لنشاط أبي هنود الملحوظ، وما أبداه من مبادرة وتصدر لفعاليات الانتفاضة، ولانخراطه للعمل في صفوف الحركة الإسلامية، صدر بحقه قرار الإبعاد إلى مرج الزهور مع قيادات حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وهناك خاض تجربة قيادية فريدة، صقلت شخصيته ليكون أشد بأسا، وأكثر حكمة، كما منحته قدرة على التواصل مع محيطه، والاستفادة من ظروف الحياة القاسية، ما ساعده لاحقا على خوض سبع سنوات من المطاردة بنجاح كبير.

وعقب عودته من الإبعاد، باشر أبو الهنود نشاطه العسكري في صفوف كتائب القسام، مشكلا أولى خلاياها المجاهدة في نابلس، ففي كانون الأول 1995 قام خمسة شبان من قرية عصيرة بمهاجمة جيب عسكري بالأسلحة الرشاشة، لكنّ السيارة تعطّلت فما كان منهم إلا الهرب منها. تبيّن فيما بعد أن هذه السيارة تعود للأخ الأكبر لمحمود أبو هنّود، وكانت هذه بداية المطاردة الرسمية لأبو هنّود، لكنه استمرّ بعدها بقيادة الخلية التي أسسها ليقوم بعمليات إطلاق نار على المستوطنين وجنود الاحتلال بالإضافة إلى العمليات الاستشهادية.

ورغم ما تعرضت له صفوف المقاومة من ضربات قاسية في ظل هجمة الاحتلال والسلطة على كوادرها منتصف التسعينيات، وعقب اغتيال القائدين القساميين يحيى عياش ومحي الدين الشريف، تمكن أبو الهنود من الإشراف على تنفيذ عدة عمليات استشهادية في عام 1997م، حصدت أكثر من ثلاثين قتيلاً وثلاثمئة جريح، ما جعله يتصدر قوائم المطاردة في الضفة.

محاولتا اغتيال فاشلة

تعرض أبو هنود لمحاولتي اغتيال؛ كانت الأولى في 26 أغسطس عام 2000م، أصيب حينها بجراح، وتمكن من الفرار بعد أن مرغ أنوفهم في التراب، حيث أجهز على أكثر من ثلاثة من جنود الوحدات الخاصة الصهيونية، وأصاب العديد منهم بجراح مختلفة، في مشهد بطولي وشجاعة نادرة، الأمر الذي ضاعف الغضب والحنق الصهيوني عليه، ودفعهم للسعي أكثر للقضاء عليه.

وكانت المحاولة الثانية في 20 مايو عام 2001، بعدما قصفت طائرات من نوع "إف 16" ولأول مرة السجن المركزي لمدينة نابلس بالضفة المحتلة، حيث كانت السلطة الفلسطينية تحتجز المجاهد "محمود أبو هنود" قائد الجناح العسكري لكتائب القسام، وللمرة الثانية يخرج أبو هنود حيا من تحت الأنقاض، وهو لا يزال يمسك بيديه مصحفاً كان يقرأ فيه لحظة القصف.

يوم الشهادة

في 23 نوفمبر 2001 أسدل الستار على فصل من أروع فصول الجهاد في حياة الفلسطينيين، عندما أطلقت مروحية هجومية "إسرائيلية" خمسة صواريخ على الأقل على سيارة فلسطينية قرب مدينة نابلس في الضفة الغربية، ما أدى لاستشهاد القائد القسامي محمود أبو هنود، والشقيقان أيمن ومأمون حشايكة، مساعدا أبي هنود.

 وخرجت الضفة عن بكرة أبيها برجالها ونسائها لوداع من أحبوه وعشقوا سيرته ورأوا بطولته، فكان مشهدا جنائزيا مهيبا، بكت فيه فلسطين أسدا من أسودها، كما تحولت آثار السيارة التي استشهد فيها أبي هنود إلى مزار لأهل الضفة، ومنبتا للورود تقف أمامها الأجيال لتنهل سيرة بطل من أبطالها الكبار.



عاجل

  • {{ n.title }}