اعتقالات الاحتلال لنشطاء فتح في القدس: حقيقة أم مسرحية؟

شنت سلطات الاحتلال حملة اعتقالات في صفوف نشطاء ومسؤولين في حركة فتح والسلطة الفلسطينية بالقدس المحتلة خلال الأيام الماضية، وعلى رأسهم محافظ القدس عدنان غيث.

أفرج عن قسم منهم، وما زال آخرون معتقلين، وذلك بذريعة الضغط على السلطة للإفراج عن المشتبه بتورطه بتسريب العقارات للاحتلال عصام عقل.

ويلتبس الأمر على كثير من الناس الذين يصعب عليهم تصديق أن سلطة التنسيق الأمني تقاوم الاحتلال في القدس.

بدايةً يجب الإشارة إلى أن حركة فتح هي أم المتناقضات، فستجد فيها كل التيارات والانتماءات: عملاء ووطنيين، يساريين وإسلاميين وقوميين وغير مأدلجين، تجد فيها التنسيق الأمني والمقاومة (وأحيانًأ من نفس الشخص)، من لا يستوعب هذه الحقيقة فلن يفهم فتح.

وحملة الاعتقالات في صفوف فتح، هي الأولى التي تستهدف الحركة كتنظيم من اتفاقية أوسلو، إلا أنها حدث يومي بالنسبة للفصائل الأخرى مثل حركة حماس، والتي قدم أبناؤها الكثير خلال السنوات الأخيرة في القدس، مثل الشهيد مصباح أبو صبيح، وقبل أشهر حكم بالسجن على الحاج نهاد زغير بالسجن بتهمة قيادة الجناح الدعوي لحماس داخل المسجد الأقصى.

وقبل شهرين أعلن الاحتلال عن اعتقال مجموعة شبان من القدس محسوبين على حماس، تصدوا لاقتحامات المستوطنين في الأقصى خلال شهر رمضان الأخير، ومنهم صبيح أبو صبيح (نجل الشهيد مصباح) ورشيد الرشق، وأصيب خلال تلك المواجهات أربعة من شرطة الاحتلال.

كما أذكر بحملة "من حقي أن اصلي في الأقصى" والتي أعلنت عنها حماس في 2013م، بمدينة رام الله خلال مؤتمر صحفي شارك به قادة الحركة جمال الطويل وحسين أبو كويك وفرج رمانة، واعتقلهم الاحتلال بعد ذلك المؤتمر.

فالاعتقالات "الاستثنائية" في صفوف قيادات فتح، هي حدث روتيني عند غيرها.

ومن ناحية أخرى فرغم أن حوالي 40% من الأسرى يعيشون تحت إطار فتح، لكن لا يوجد بينهم معتقلون بتهمة الانتماء لفتح، قسم كبير منهم معتقل بتهم المشاركة بعمليات مقاومة (إطلاق نار وطعن وإلقاء حجارة)، وقسم متهمون بتجارة سلاح وبيعها لمقاومين، وقسم آخر ليسوا فتح لكن يعيشون تحت إطارها أملًا في أن تكون أحكام السجن بحقهم مخففة (أو الخروج بإفراجات).

فما هو سبب تغير سياسة الاحتلال تجاه حركة فتح؟ والتي شملت أيضًا تجميد التنسيق الأمني في ضواحي القدس، الذي كان يسمح لأجهزة السلطة بالانتشار في هذه المناطق (مثل أبو ديس والعيزرية والرام).

حسب اتفاقية أوسلو أجلت قضية القدس إلى محادثات الوضع النهائي، ونظرًا لمركزية القدس في المشروع الصهيوني، حرص الاحتلال على طرد أي شكل من أشكال السيادة الفلسطينية، وأغلقت مؤسسات تابعة لمنظمة التحرير مثل بيت الشرق.

سمح الاحتلال للسلطة منذ عام 2010م (تقريبًا) لأجهزة أمن السلطة بالعمل بشكل غير رسمي في القدس، لمساعدة الاحتلال في وقف المقاومة وخصوصًا المواجهات التي كانت تحصل في المسجد الأقصى وإلقاء الحجارة على المصلين اليهود في ساحة البراق.

واعتبرت السلطة وفتح أنها فرصة لدخول مدينة القدس، والتي حرمتها عليهم اتفاقية أوسلو.

كما أدى تحول ضواحي القدس إلى منطقة فراغ أمني تقلق السلطة والاحتلال في آن واحد، إلى تفاهمات تسمح لشرطة السلطة بالانتشار وضبط الأوضاع الأمنية فيها.

اعتبرت حكومة الاحتلال أن اعتراف ترمب بالقدس عاصمة للاحتلال، فرصة تاريخية من أجل تهويد القدس وقطع أي أمل على الفلسطينيين باستعادتها، وأنطلقت سلسلة إجراءات لزيادة وتيرة تهويد الأقصى، وهدم منازل المقدسيين، وطرد الأونروا من القدس.

جاءت اعتقالات الاحتلال بعد اعتقال السلطة لعصام عقل (وهو أحد المتهمين ببيع العقارات للمستوطنين)، ولا أعلم لماذا لم تعتقل السلطة البقية، لكن يبدو أن لديهم حماية من مسؤولين في السلطة مثل خالد العطاري (صديق ماجد فرج).

الاحتلال وجدها فرصة ليتخلص من وجود السلطة في القدس، فقد أدت دورها المطلوب في تحقيق الهدوء بالمسجد الأقصى وإتاحة المجال لاقتحامات المستوطنين دون مقاومة، ولم يعد الاحتلال بحاجة لها.

وهذا ما سيحصل لاحقًا للسلطة في الضفة الغربية، سيتخلص منها الاحتلال عندما يعتقد أنه حان الأوان لضم الضفة الغربية وإنهاء الوجود الفلسطيني.

لهذا وجه الاحتلال ضرباته لنشطاء فتح ومسؤولي السلطة في القدس فقط، ولم يضغط على ماجد فرج الذي يحتجز عصام عقل في سجون المخابرات العامة، لأن الاحتلال يحتاج لماجد فرج من أجل ملاحقة المقاومين في الضفة، لكنه لا يحتاج لمسؤولي فتح في القدس.

الأمور لم تصل لحد القطيعة بين الاحتلال والسلطة، فأموال الضرائب ما زالت تصل للسلطة، وتصاريح الـ VIP ما زالت بحوزة مسؤولي السلطة، وما حصل أن الاحتلال استغل الحادثة من أجل طرد السلطة من القدس.

والسلطة بقيادة محمود عباس لا يوجد لديها النية في الدخول بصدام مع الاحتلال، وستعترض وتحتج إعلاميًا، وتحاول استغلال الاعتقالات لتنظيف صورتها أمام الرأي العام الفلسطيني، لكننا لن نرى أكثر من ذلك.



عاجل

  • {{ n.title }}